تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
أخذ بعذاب مناسب لحال المجرم إثر معصيته وعقيب جريمته ، وقد تقدم في آية الرعد قوله تعالى : ( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ) ( الرعد : 32 ) ، والاستهزاء ( أمر ) مرتكب زائد على التكذيب من التهاون ، والاستخفاف بجريمة مرتكبة أشنع جريمة ، فناسبها الإفصاح بالعقاب . أما آية الحج فإن الوعيد ( بها ) للمذكورين بالتكذيب ولم يذكر منهم استهزاء ، قال تعالى : ( وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى ) ( الحج : 42 - 44 ) ، فلم يخبر عن هؤلاء بغير التكذيب ليس كالاستهزاء ، فقد يؤمن المكذب ويصلح حاله ، أما المستهزئ فلا يصلح ، وقد كفى الله نبيه إياهم ، قال تعالى : ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ( الحجر : 95 ) ، فناسب النظم تعقيب كل آية بما يناسب مرتكب من قدم ، ولم يكن عكس الوارد ليناسب ، والله أعلم . الآية السابعة من سورة الرعد : غ - قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) ( الرعد : 37 ) ، وفي سورة طه : ( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) ( طه : 113 ) ، والمراد بالمنزل في الموضعين واحد وهو القرآن ثم اختلف العبارة عنه في السورتين ، للسائل أن يسأل عن وجه ذلك ؟ والجواب ، والله أعلم : أن سورة الرعد لم يتقدم فيها شيء من القصص الإخبارية وإنما المتقدم فيها تفاصيل أحكام مرجعها بجملتها إلى اختلاف أحوال المكلفين جرياً على ما سبق من قضائه فيهم ، وتفصيل أحوالهم بحسب ما قدره سبجانه في أزله وما حكم به عليهم كقوله سبحانه : ( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ) ( الرعد : 19 ) ، ثم بين تعالى حكم كل من الفريقين بعد وصفهم ، ثم أعقب بمآل الفريقين فقال فيمن هداه فعلم : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) ( الرعد : 23 ) إلى قوله : ( فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) ( الرعد : 24 ) ، وأتبع بحال الآخرين الموصوفين بنقض عهده سبحانه ، وأخبر بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار ، وبين تعالى حكمه في بسط الرزق لمن يشاء ( وقبضه عمن يشاء ، فقال تعالى : ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) ( الرعد : 26 ) ، وأعلم الله تعالى أنه يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ، ثم وصفهم بإيمانهم واطمئنان قلوبهم بذكره في قوله تعالى : ( طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ) ( الرعد : 29 ) ، ودارت الآي بعد على أن كل جار في خلقه فبتقديره ، وتناسب ذلك إلى الآية ، وكل ما تقدم فهو حكمه السابق في خلقه ، فأعقب هذا بقوله : ( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ) ( الرعد : 37 ) ، قال الزمخشري : حكمة عربية أي مترجمة بلسان العرب .