تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
فيه من لم يرد الله هدايته فقالوا سحر وشعر وأساطير الأولين ، وذهبوا به كل مذهب . واسم الكتاب يعني بما بدا منصوباً وظهر ليس كذلك ، فهذا الذي لا ريب فيه إذ هو مشاهد للأبصار ومدرك للعيان لمن هدي واستبصر ، قال الله جل جلاله : ( المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ) ( الرعد : 1 ) ، ثم قال : ( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ) ( الرعد : 1 ) ، قال : ثم جعل جل جلاله يسرد آيات التاب ) المبين فقال : ( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ ) ( الرعد : 2 ) إلى قوله : ( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( الرعد : 4 ) ، قلت : على هذا استمرت وتوالت آيات هذه السور لم يتخللها من غير ما هو آية منصوبة للاعتبار إلا ما استدعاه مقصود آي منها أو معناها ، من غير أن يتخللها مما يدرك بالخبر كبير شيء ، على هذا دار كلام من أشرنا إليه وهو ما اعتمدته وبسطته واستشهدت عليه ونظرته بما ظهر لي مما ليس في كلامه . قلت ومما استشهد به من ذكرت كلامه على ما اختاره من كون الإشارة بقوله في مطلع سورة البقرة : ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) إلى اللوح المحفوظ ، استحكام تنزيل ما بعده عليه ، ووضوح النظم وبيانه على ذلك ، ألا ترى قوله تعالى : ( هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ( البقرة : 2 - 3 ) أي بما غاب عنهم من مضمون اسم الكتاب استدلالاً بما يدل من آيته على ما غاب ، فقبلوا ما أخبر الله به على ألسنة رسله مما لا يدرك مشاهداً استدلالاً بما أدركوه وشهادته لما أخبروا به فآمنوا بالله ورسله ، واعتقدوا من صفاته سبحانه ما هو عليه ، ونزهوه هما لا يليق به تعالى ، وصدقوا ما أخبرت به الرسل من كل غائب عنهم متلقى من إخباره سبحانه ، فبنوا ذلك على اهتدائهم الأول ومعتبرهم المشاهد المرئي حين وفقوا للاعتبار فآمنوا بالغيب كما أخبر تعالى عنهم ، ثم قال تعالى : ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) ( البقرة : 4 ) ، والمراد بهذا ( المنزل ) القرآن ، وقوله : ( وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) ( البقرة : 4 ) أي من الكتب المنزلة كاتوراة والإنجيل ، وقال في الجميع : ( أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( البقرة : 5 ) . فتأمل بيان النظم على هذا فإنه أوضح شيء . قلت : ومن البين أن ( مدار هذا الجواب بجملته إنما بناؤه على أن اسم الكتاب في سروة البقرة أو حيق وقع ) من فواتح هذه السور وأشير إلأه بذلك أو تلك أو وقع في غير الفواتح فيصح أن يراد به فيها أو في بعضها اللوح المحفوظ ، وأن تكون الإشارة إلأيه إذا شهد له السياق ووضح عليه النظم ، فإذا سلم هذا فما بنيناه عليه أوضح شيء ، ولا يمكن إلا تسليمه إذ لا معارض يمنع من عقل ولا نقل ، وإن اعترض معترض بالمنع فقد خالف