تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
( تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) ( النمل : 1 ) ، فقدم هذا الإشارة إلى الضرب المؤخر في السورتين قبل ، ويشهد لهذا ويوضحه رعي التقابل المناسب في هذه السور وبناء النظم وبيانه على ذلك ، ألا ترى أن سورة الرعد لم تنطو من الضرب الثاني على قصة واحدة ، وإنما دارت آيها الاعتبارية على ما به الاعتبار من الضرب ( الأول خاصة ، وسنعود إلى بيان ذلك بإيراد آيها ، وإنما لم يذكر فيها شيء من الضرب ) الثاني لأن بناء السورة إنما هو على الضرب الأول ، ولهذا لم يشترك المعطوفان في اسم الإشارة إلا أن قوله تعالى : ( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ) ( الرعد : 1 ) جملة مستقلة ، وقد وقع الموصول فيها وهو الذي مبتدأ خبره الحق ، وما بينها صلة ، والجملة معطوفة على الجملة قبلها ، وكل واحدة منهما مستقلةن ولا تسلط لاسم الإشارة على الجملة الثانية . أما قوله في سورة الحجر : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) ( الحجر : 1 ) معطوف على الكتاب المضاف إلى الخبر عن اسم الإشارة وهو آيات وداخل تحت اسم الإِراة ، وهو من عطف المفردات وما عطف المفردات وما عطف عليه وشرك معه بخلاف آية الرعد إذا العطف فها من عطف الجمل . وأما الوارد في سورة النمل فمثل ما في سورة الحجر ، وحكم اسم الإشارة منسحب على ما أضيف إليه خبر اسم الإشارة وما عطف ( عليه ) ، وهو من عطف المفرادت أيضاً كآية الحجر ، وكلا الآيتين مخالف لما ورد في سورة الرعد ، فلما وقعت الإشارة في سورةتي الحجر والنمل إلأى الضربين معاً تضمنت كل واحدة من السورتين مما به الاعتبار ذكر الضربين معاً ، ولما اختصت الإشارة في سورة الرعد بالضرب الأول لم يقع إخبار بغير ذلك الضرب ، وهذا يرفع كل إشكال فيما تقدم ، ومما يزيد وضوحاً فيما تقدم أن سورة الحجر لما قدم فيها ذكر الكتاب قدم فيها من الضربين الضرب المعتبر من آيات اللوح المحفوظ ، فقال تعالى : ( وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ) ( الحجر : 16 ) إلى قوله : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) ( الحجر : 22 ) الآية ، ثم بعد ذلك ذكر مما به الاعتبار من الضرب الثاني في قوله تعالى : ( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ) ( الحجر : 51 ) إلى قوله : ( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ( الحجر : 84 ) ، فتأخر ما ورد في هذه السورة من هذا الضرب ليطابق تأخر ذكره في قوله : ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) . ولما تقدم في سورة النمل من الاسمين المضاف إليهما خبر اسم الإشارة القرآن وتأخر الكتاب فقال تعالى : ( تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ) ( النمل : 1 ) قوبل بتقديم الضرب المشار إليه أولاً ، فقال تعالى : ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( 6 ) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ ) ( النمل : 6 - 7 ) . وذكر
ملاك التأويل — صفحة 275 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي