فمن عرف الجائز والمستحيل أمكنة الاعتراف بالبدأة والعودة ، وإرسال الرسل ، والثواب والعقاب ، فيحصل العقل الجواز ويحصل التصديق بوقوع هذا الجائز من أخبار الرسل بالنظر في معجزاتهم ، فبدئ بالضرب الأول بمقتضى الترتيب كما بينا ، ولم يقع في الربع الأول من القرآن بسط اعتبار بالضرب الثاني بالإخباري ، إنما أمعن بذكره في الربع الثاني وبسط الأخبار عن القرون المهلكة والأمم السالفة مع أنبيائهم وما أعقبهم التكذيب وأخذ كل قرن من المكذبين بما أخذ به ، ولم ينقطع التنبيه والتحريك مع ذلك بما في الضرب الأول وما يرجع إليه .
ثم قد تجد السورة الواحدة مجرد لهذا الضرب كسورة الرعد ، وللضرب الثاني كسورة الأعراف وسورة يوسف ، عليه السلام ، وقد تجمع السورة الضربين على السواء أو ما يقاربه كما في سورة الحجر ، وأما سورة البقرة فقد تضمنت من كل ( من ) الضربين ما فيه شفاء على إجمال فيما أشير إليه من الضرب الثاني ، إذ هذا الضرب إنما استوفى تفصيله في الربع الثاني .
ثم إن الضرب الأول وهو الذي يدرك بالعيان من آيات ( اللوح ) المحفوظ المتضمن لكل من الضربين ، قال تعالى : ( كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ( هود : 6 ) ، وإذا قلنا إن الإشارة إلأى اللوح إنما يريد ما يستدل به ويعتبر مما نصب تعالى من الآيات الدالة على عجائب من مضمناته ، إذ لولا نصب تلك الدلائل ووضوح الاعتبار بها لما أطلعنا عليه ، وبلغ بحسب ما قدر الوصول إليه من مضمنه ، إذ هو محتو على كل شيء ، قال تعالى : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ( النمل : 75 ) ، وتتباين أحوال المعتبرين ، فعلى هذا يفهم المراد من قولنا : ( إن الإشارة بقوله ) : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ) إلى اللوح المحفوظ ، وهو مراد من قال بذلك في سورة البقرة من المفسرين وسورة النمل ، ومن قال به أيضاً في سورة الرعد وهو الظاهر فيها ، وقوله : ( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ) ( الرعد : 1 ) ، إشارة إلى الضرب الثاني وهو ما طريق تعرفه الخبر الصادق وذلك أخبار الأمم مع أنبيائهم على ما تقدم وما نبينه بعد ، وهذا الضرب موصل أيضاً إلى المقصود ، إلا أنه لا يوصل إليه إلا من جهة الخبر وإن كان من مضمن ما في اللوح المحفوظ ، وإذا وضح هذا التفصيل لم يبق إشكال في فهم ما تقدم من أن الإشارة بقوله : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ) إلى غير ما أشير مما عطف عليه من قوله : ( وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ) وقوله في الحجر : ( وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) ( الحجر : 1 ) ، وكذلك الوارد في النمل وإن خالف في التقديم والتأخير لقوله فيها :
ملاك التأويل — صفحة 274
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٢٧٤