الاستواء في قصته وورد في قصة موسى ، وكلام المفسرين إذا تؤمل وإن لم يكن إفصاحاً مشعر بهذا ، فجاء كل على ما يجب ، والله أعلم .
الآية الثالثة من سورة يوسف ، عليه السلام ، قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ) ( يوسف : 109 ) ، وفي سورة النحل ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ( النحل : 43 ) ، وفي سورة الأنبياء : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ( الأنبياء : 7 ) ، وفي سورة الفرقان : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ) ( الفرقان : 20 ) ، للسائل أن يسأل عن اختصاص هاتين الآيتين الأخيرتين بسقوط ( ( من ) ) منهما وثبوتها في الآيتين الأوليين .
والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن آية يوسف قد تقدمها قوله تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ( يوسف : 106 ) ، وقوله : ( وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ( يوسف : 108 ) ، وقوة السياق في هذه الآي يدل على معنى القسم ويعطيه ، فناسب ذلك زيادة ( ( من ) ) المقتضية الاستغراق ، وكذلك قوله في سورة النحل : ( وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ) ( النحل : 41 ) يؤكد ذلك المعنى ، فناسبه زيادة ( ( من ) ) لاستغراق ما تقدم من الزمان .
أما قوله تعالى في سورة الأنبياء ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ( الأنبياء : 7 ) فتقدم قبلها إنكار الكفار كون الرسل من البشر في قوله : ( هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ( الأنبياء : 3 ) ، واقتراحهم الآيات في قوله : ( فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) ( الأنبياء : 5 ) ، فلما انطوى هذا الكلام على قضيتين : من اقتراحهم الآيات ، وإنكارهم كون الرسل من البشر ، وقد بين لهم حال المقترحين في قوله تعالى : ( مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ) ( الأنبياء : 6 ) ، فلما تقدم هذا اتبع ببيان الطرف ( الآخر ) وهو التعريف بأن من تقدم من الرسل إنما كانوا رجالاً من البشر ، مختصين بتخصيصه سبحانه ، ولم يكونوا ملائكة ، فقيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ) ( الأنبياء : 7 ) ، فقيل هنا : ( قبلك ) كما قيل في نظيرتها : ( ما ءامنت قبلهم ) ، فلم تدخل هنا ( ( من ) ) كما لم تدخل في النظير ( الآخر ) لإحراز التناسب ، والتام الجملة المنطوية على طرفي مقصدهم من الاقتراح وإنكار كون الرسل من البشر ، وكذلك الوارد في سورة الفرقان في قوله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ
ملاك التأويل — صفحة 268
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٢٦٨