تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

سورة يوسف ( عليه السلام )

الآية الأولى منها : غ - قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( يوسف : 2 ) ، وفي سورة الزخرف : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( الزخرف : 3 ) ، فورد ( هنا ) ( ( جعلناه ) ) موضع ( ( أنزلناه ) ) في الآية الأولى : فلسسائل أن يسأل عن موجب هذا التخصيص لاتفاق الوارد في الآيتين لفظاً ومعنى في غير ما ذكر ؟ والجواب عنه ، والله أعلم : أن آية ( سورة ) يوسف لما كانت توطئة لذكر قصصه ، عليه السلام ، ولم تتضمن السورة غير ذلك إلا ما أعقب به في آخرها مما يعرف بعجيب ما تضمنته ما كان غيباً عند قريش والعرب ، مستوفياً ما كان أهل الكتاب يظنون أنهم انفردوا بعلمه ، فأنزل الله هذه السورة موفية من ذلك أتمة ، ومعرفة من قصصه العجيب ، ومؤدية أكمله وأعمه ، ولا أنسب عبارة هنا من قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) ليعلم العرب والجميع أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يتلق ذلك القصص من أحد من العرب ، إذ لم يكن عندهم منه نبأ ، ولا رحل في تعرفه إلى أحد ، فكام قصصاً وآية معلماً بصحة رسالته عليه السلام ، وعظيم تلك العناية ، فالتعبير بالإنزال هنا ( بين ) . وأما آية الزخرف فلم تبن على أخبار بل أعقبت بآي الاعتبار والتلطف في التنبيه والتذكار قال تعالى : ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ) ( الزخرف : 5 ) ، وهذا أعظم التلطف ، وقال تعالى بعد : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ( الزخرف : 9 ) ، ثم مضت أكثر آي هذه السورة على نحو خذا الاعتبار وما يناسبه . وقد ذكر سيبويه ، رحمه الله ، في أقسام جعل كونها بمعنى صير ملحقاً لها بظننت وأخواتها ومنه وقلهم : جعل الطين خزفاً ، وذلك انتقال وتصيير فالمراد بالآية جعل الكتاب معتبراً هدى ونوراً والمنبهون به والمعتبرون بآياته المخاطبون به مخلوقون تقدمهم العدم ، وإنما صح خطابهم به مشاهدة بعد وجودهم ، فصح بانتقال حالهم التصيير ، وجل عن التغيير والحدوث كلام الحكيم الخبير ، فكرمه سبحانه قديم ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة
ملاك التأويل — صفحة 266 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي