تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ) ( هود : 116 ) ، أي فهلا كان منهم خيار وينهون عن الفساد والظلم ، فلو كان منهم ذلك لما هلكوا : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) ( هود : 117 ) ، أي ما كان ليفعل بهم وإن وقع منهم ظلم ذلك كان فيهم مغير للظلم وناه عن الفساد ولكنهم كانوا كما أخبر تعالى عن المعتدين من بني إسرائيل في قوله تعالى عنهم : ( كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ) ( المائدة : 79 ) ، وجئ بالفعل في قوله : ( ليهلك ) إشارة إلى التكرر بحسب ما يكون منهم ، فلو كان في كل أمة وقرن بعد قرن من ينهي عن الفساد والظلم لما أخذ بذوي الظلم منهم ولكان تعالى يدفع بعضهم عن بعض ، ولكن تكرر الفساد وعم كل قرن فتكرر عليهم الجزاء والأخذ ، فأشار الفعل إلى التكرر ولم يكن الاسم ليعطي ذلك ، وهذا كقوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ) ( الملك : 19 ) ولم يقل : وقابضات لما قصده من معنى التكرر ، وأما قوله في سورة القصص : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا . . . ) ( القصص : 59 ) فإنه تقدم هذا في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ( القصص : 51 ) أي أتبعنا وولينا التذكار ، ويشهد قوله تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) ( فاطر : 24 ) ، وقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ( الإسراء : 15 ) ، فلما أعلم سبحانه تتابع التذكار وتعاقب الإنظار قال : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ) ( القصص : 59 ) ، ونسب هذا ذكر اسم الفاعل لأنه قصد ذكر الاتصاف بهذا ولم يقصد التكرر ولم يكن حاصله ، وقال هنا وفي آية هود : ( وما كان ربك ) بإضافة اسم الرب جل وتعالى إلى ضمير نبينا صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذه ملاطفة لهذا النبي صلى الله عليه وسلم وتأنيساً له ولأمته وإشعارا بعظيم حظوته ومنزلته لديه سبحانه ، ثم اتبع تعالى هذا بقوله : ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) ( القصص : 59 ) ، فأخبر تعالى أنه ما أهلكهم إلا بعد استحقاق جميعهم العذاب وتساويهم في الظلم وقيل في هذه الآية الأخيرة : ( وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى ) لئلا يتكرر اللفظ بعينه مع الاتصال والقرب وليس من مواضعه ، وقد حصل جواب الأسئلة الثلاثة وبيان خصوص كل آية منها بمواضعها ، والله أعلم . * * *
ملاك التأويل — صفحة 265 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي