تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وأما الضرب الثاني مما ورد بالواو فلعطف ذلك ( على ) ما قبله تشريكاً لا سببية فيه ولا معنى جوابيه ولا مقصود تعقيب ولا ربط مقصزدها من المعاني بما قبله سوى التشريك خاصة ، ففي سورة الروم ورد متقدماً قبل الآية في قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) ( الروم : 8 ) ، فعطف على هذه عطف تشريك لا سببية فيه قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) ( الروم : 9 ) ، فتشاركت الآيتان في الحض على الاعتبار ومقصودهما واحد ، فعطفت إحداهما على الأخرى بما يقتضي ذلك وليس إلا الواو ، وأما الفاء وثم فلا مدخل لواحدة منهما هنا ، والله أعلم . وأما سورة الملائكة فتقدم فيها قوله : ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ) ( فاطر : 43 ) ، فأحيلوا على ما اطرد في من قبلهم من سنته تعالى فيهم ، من أخذهم بتكذيبهم سنة الله التي خلت من قبل ، ثم أعقب بإحالتهم على قرب منهم ممن شاهدوا آثاره وتعرفوا على قرب أخباره فقيل : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) ( فاطر : 44 ) ، فقوله : ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ ) وقوله : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا ) مسلك واحد في الاعتبار ، فصل لهم بحسب بعد ما أمروا باعتبار حاله ( أو قربه ) ، فعطف أحد السببين على الآخر مع اتحاد النوع المعتبر به ، ولا يعطف مثل هذا إلا بالواو خاصة ، وما سوى الواو لا يلائم ولا يناس ، والله أعلم . وأما الآية الأولى من سورة المؤمن فملحوظ فيها من نيطت به في معناها من قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) ( غافر : 13 ) ، وليس بعد هذه الآية من معناها إلا قوله تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) ( غافر : 21 ) ، فمن آياتته تعالى التي رآها عباده ما أجراه من سنته فيمن خلا من الأمم ، فوقعت الإحالة على ذلك بعطف الآية من قوله : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) على ما به نيطت حسبما تقدم ، ولا يناسب ذلك غير الواو . * * *
ملاك التأويل — صفحة 271 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي