تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
لمخلوق فينفد ، فقد وضح معنى الجعل هنا ومسوغه ، وأنه لا يناسب هنا غير ذلك ، ولا يناسب الآية الأخرى غير ( أنزل ) ، فجاء كل على ما يجب والله أعلم . الآية الثانية من سورة يوسف عليه السلام ، قوله تعالى : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ( يوسف : 22 ) وفي سورة القصص : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ( القصص : 14 ) ، للسائل أن يسأل عن ثبوت قوله : ( ( واستوى ) ) في سورة القصص ولم يثبت ذلك في سورة يوسف ؟ وهل كان يمكن ورود العكس في الآيتين ؟ والجواب عن ذلك : أن الأشد مختلف فيه من البلوغ إلى استكمال أربعين سنة ، وقد قيل بالزيادة على الأربعين ، وظاهر القرآن أن الأشد يقع على دون الأربعين لقوله تعالى : ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ( الأحقاف : 15 ) ، فلو كان الأشد الأربعين لأدى إلى عطف الشيء على نفسه ، فإنما الكلام في قوة أن لو قيل : حتى إذا بلغ أشده واستكمل وتم بالزيادة ، والله أعلم ، وإذا كان وقوع الأشد على ما ذكرنا ، ولا يكون إلا على خال من العمر يحسن في الظبط والتدبير ، والإحكام للأمور ، والفهم للخطاب ، وتحقيق مقادير الأمور ، وهذا بِجَرْي العادة إنما ابتداؤه عند البلوغ أو قبل البلوغ ، ثم يستحكم إلى الغاية التي إليها انتهاء تمام القوة واستحكام العقل ، وتلك الأربعون ، وعلى رأس الأربعين سنة بعث الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ، ثم أن الله سبحانه قال في قصة يحيى بن زكريا ، عليه السلام : ( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) ( مريم : 12 ) ، وهذا ولابد في غير ( سن ) الأربعين ، وقال تعالى في قصة يوسف ، عليه السلام ، إنما ابتدئ بالوحي وسماع الكلام بعد فراره خوفاً من فرعون ، قال تعالى : ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ( الشعراء : 21 ) وأفصحت آي القرآن أن ذلك كان بعد رجوعه وإنكاح شعيب عليه السلام إياه ابنته ، ولم يخرج من مصر حتى ائتمر به للقتل وبعد وكز الذي كان من عدوه وقضائه عليه ، ومجموع هذا إنما هو بخروجه ، عليه السلام ، عن سن الابتداء إلى استكمال الأشد وهو الاستواء ، فقيل في قصته : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) ( القصص : 14 ) أي استكمل وانتهى إلى أحسن الحالات في السن ، وأما يوسف ، عليه السلام ، في الوحي إليه في الجب فحاله وإن بلغ ما يسمى أشداً غير حالة الاستواء ، فامتنع مجيء