تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن آيتي صالح وهود ورد فيهما ما يقتضي معناه أن يربط بالفاء المقتضية التعقيب ، أما قصة صالح منهما فتقدمها قوله تعالى : ( فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) ( هود : 65 ) ، فكأن قد قيل : فلما انقضت ، فالموضوع للفاء لمقصود التعقيب . ومثل هذا من غير فرق قوله تعالى في قصة لوط عليه السلام : ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ) ( هود : 81 ) ، ولا شك أن المعنى يستدعي تقدير فلما أصبح تحقيقا لصدق الوعيد ، وإعقاباً لا يتحصل بغير الفاء ، فهذا يوجب خصوص الفاء بهذين الموضعين . وأما قصة هود عليه السلام ، فلم يرد فيها ما يستدعي تعقيباً ، بل قبلها ما يقتضي أن ينسق ما بعده عليه بواو العطف ، وذلك قوله تعالى مخبراً عن قوم هود : ( وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ) ( هود : 57 ) ، ثم قال : ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ) ( هود : 58 ) ، فعطف هذه الجمل بعضها على بعض بما يعطي ذلك ، ويناسب العطف بالواو ، وعلى هذا وردت آية شعيب عليه السلام ، فورد قبلها : ( وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ) ( هود : 93 ) ثم بعد ذلك : ( وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ) ( هود : 93 ) ، وليس هذا ما يقتضي تعقيباًَ بل بابه حمل الآي بعضها على بعض بحرف التشريك ، فجاء كل على ما يناسب ، والله أعلم بما أراد . الآية السابعة قوله تعالى في قصة هود : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ) ( هود : 60 ) ، وفي قصة موسى بعد من هذه السورة : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً ) ( هود : 99 ) فجمع في قصة هود بين اسم الإشارة ولفظ الدنيا الجاري عليه وصفا ، وأكتفي في قصة موسي باسم الإشارة دون التابع ، فللسائل أن يسأل عن وجه ذلك ؟ وهل كان يجوز عكس الوارد ؟ والجواب عن ذلك : أن الوارد عليه كلا من الآيتين لا يحسن خلافه ولا يناسب ، وذلك لوجهين : أحدهما أن قصة هود ، عليه السلام ، في هذه السورة أكثر استيفاء من قصة موسي عليه السلام ، بكثير فناسب الطول الطول والإيجاز الإيجاز ، ولا يليق العكس . والوجه الثاني أن قوله تعالى في قصة هود : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ) ( هود : 60 ) ، وارد على الأصل من الجمع بين التابع نعتاً أو عطف بيان وبين متبوعه ، وجاء في قصة موسى عليه السلام : ( ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً ) على حذف الوصف للاكتفاء باسم الإشارة ، وكل فصيح ، فجيء بما هو في الأصل أولاً ، ثم جيء ثانياً بما هو ثان عنه على ما ينبغي ، ولا يحسن العكس لأن ذلك شبه التفسير وبابه أن يتقدم ، فما يحذف يكون لما تقدم من ما يدل عليه ويحذف لما سيأتي بعد إلا في قليل نحو قوله : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض ، والرأي مختلف ، وهذا الوجه كاف . والوجه الأول أنسب لراعي النظم ، والله أعلم .
ملاك التأويل — صفحة 258 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي