تعاقب سلك وحمل إن لم يعرض في المعنى ما يمنع . وأما سلك فإن العرب تقول : سلكت الشيء في الشيء وأسلكته أي أدخلته قال الله تعالى : ( اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) ( القصص : 32 ) ، أي أدخلها ، وقال تعالى : ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) ( المدثر : 42 ) أي ما أدخلكم ، وقال تعالى : ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) ( الجن : 17 ) أي ندخله فيه ، وكل ما يخرج سلك عن هذا المعنى من الدخول حقيقة ومجازاً ، ففيها من حيث معنها الخصوص ، وأما حمل ففيها اتساع لا يكون في سلك . فوجه ورودها في سورة هود مناسبتها من حيث المعنى من حيث ما اقترن بها من لفظ : ( ( قلنا ) ) ، فطال الكلام لفظا مع ما أشرنا إليه من سعة المحامل ، وإن لم يرد جميعها هنا ، لكن ناسب مجموع هذه العبارة ما ورد في سورة هود من استيفاء قصة نوح ، عليه السلام ، وطول الكلام بذلك .
وأما آية المؤمنون ففي قصة نوح فيها إيجاز وإجمال ، إلا ترى أنها في كلمها وعدد حروفها - أعني آية هود - على الضعف أو أطول مما في سورة المؤمنون ، فلذلك ورد في سورة المؤمنون لفظ ( ( أسلك ) ) لإيجازه من حيث معناه وعروة عن ( إقتران ) لفظ ( ( قلنا ) ) أو غيره مما يحرز الطول ، بخلاف ما في سورة هود . ومما يعضد هذا المقصود ويشهد له قوله تعالى في سورة هود : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ) ( هود : 40 ) ، وفي سورة المؤمنون : ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا ) ( المؤمنون : 27 ) . فتأمل تنظير ( ( حتى ) ) وهي على أربعة أحرف بفاء التعقيب في سورة المؤمنون في قوله : ( ( فإذا ) ) ، وإنما الفاء على حرف واحد ، فنوسب بالفاء موضعها المبنى على الإيجاز ، وبحتى موضعها المبني على الاستيفاء والطول ، فقد وضح ورود كل من ما في السروتين على ما يجب ويناسب ، والله سبحانه أعلم بما أرد .
الآية السادسة من سورة هود : ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) ( هود : 58 ) ، وقال في قصة شعيب عليه السلام : ( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) ( هود : 94 ) ، فعطفت لما على ما قبلها بواو النسق في هذين الموضوعين وخالفت قصة صالح وقصة لوط ، عليهما السلام ، في الحرف المعطوف به هذه الجملة المصدرة بحرف الوجوب فقيل في قصة صالح عليه السلام : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ) ( هود : 66 ) ، وفي قصة لوط عليه السلام : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ) ( هود : 82 ) ، بعطف لما على ما قبلها من هتين الآيتين بفاء التعقيب ، فللسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آيتي هود وشعيب بالواو وآيتي صالح ولوط ، عليهما السلام ، ( فاء التعقيب ؟ وهل ذلك بواجب ؟ ) .
ملاك التأويل — صفحة 257
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٢٥٧