تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
تقوله ، فعلى هذا جرى قول النبي الكريم ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) ، أي كيف ترون إن كنت على واضحه وعلى يقين من ربي وآتاني منه رحمة فعصيته بموافقتكم ، فإن فعلت ذلك فمن ينصرني ويمنعني من عذابه ، فخاطبهم عليه السلام بطريقة فرض هذا : إن كان كذا ، وهو عليه السلام العليم بحاله الجليل ، وعلى بينة من ربي ، وأكد بتقدم المجرور في قوله ( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) ، لما يحرز تقديمه من التأكد ويعيه مفهومه من أن الرحمة منه سبحانه لا يشرك فيها غيره ، فهو مخصوص لا يحصل مع تأخيره . فتقديم هذا الضمير المجرور كتقديمه في قوله سبحانه : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) ( الإخلاص : 4 ) ، وقد تقدم مثله في إنشاد سيبويه ( رحمة الله عليه ) : لتقربن قرباً لجذيا ما دام فيهن فصيل حيا فلما بالغوا في قبح الجواب بالغ ، عليه السلام في رد مقالهم ، فقدم المجرور لتأكيد أن الرحمة من عند الله تعالى : ( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) . ولما لم يكن في مراجعة قوم نوح مثل هذا في شناعة الجواب ، لأن أقصى المفهوم من قولهم : ( مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا ) ، إلحاقه بهم ومماثلته إياهم ، وكلهم يقولون لو كنت رسول لكنت من الملائكة ولم تكن لتماثلنا . فلم يكن في قول هؤلاء ما في قول قوم صالح ، فجرى جوابه ، عليه السلام ، على نسبة ذلك فقال : ( وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) ، فأتى بالمجرور مأخراً في محله على ما يجب ، حيث لا يقصد في إحراز المفهوم ما قصد في الآية الأخرى ، فورد كل على ما يلائم ، والله أعلم . الآية الخامسة من سورة هود قوله تعالى : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) ( هود : 40 ) ، وفي سورة : ( ( قد أفلح المؤمنون ) ) ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ . . . ) ( المنؤمنون : 27 ) . للسائل أن يسأل عن وقله في سورة هود ( قُلْنَا احْمِلْ ) وفي السورة الثانية ( فَاسْلُكْ ) والقصة واحدة فهل ذلك بمقتض لكل واحد من الموضوعين بما وقع فيه ؟ والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أن لفظ احملأوسع مواقع في اللغة وأكثر تصرفاً في الكلام تقول : حملت الشيء إلى فلان ، وحملته على كاهلي ، وحملت العلم عن فلان ، وحمل فلان الأمانة ، وحمله الغضب على كذا ، وحمِل الفارس على صاحبه ، وحملت المرأة والشجر ، ولا تقول في شيء من هذا سلك إلا أن يكون المحصور فيه حسبما
ملاك التأويل — صفحة 256 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي