تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
من قوله تعالى : ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) ( هود : 17 ) ، وأفعل من كذا في قوله : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى ) ( هود : 18 ) ، فالأيات من لدن قوله ( أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ) إلى قوله : ( هُمْ الأَخْسَرُونَ ) ( مبنيات على ما ذكرناه غير خارجة عن هذا المقصود ، ولو ورد هنا ( ( الخاسرون ) ) مكان ( ( الأخسرين ) ) لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب . وأما آية ( النحل ) فلم يقع قبلها أفعل التي للمفاضلة والتفاوت ولا ما يفهمهما ، وإنما قبلها : ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ ) ( النحل : 105 ، 104 ) ، وبعد هذا ( وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ( النحل : 107 ) ، وبعد هذا ( وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ) ، فتأمل هذذه الفواصل واتفاقها في اسم الفاعل المجموع جمع السلامة في قوم متفقي الأحوال في كفرهم إلى أن ختم وصفهم وما قصد من ذكرهم بقوله : ( لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ ) ، فتناسبت الآي في السياق والفواصل ، وختمت بمصل ما به بدأت ، ولم يكن ليناسب ما ورد هنا لفظ المفاضلة ، إذ ليس في الكلام ما يستدعي ذلك لا من لفظه ولا معناه ، ووضح اختصاص كل من العبارتين بمكانة ، وإن العكس لا يلائم ، والله أعلم . الآية الرابعة من سورة هود قوله تعالى في قصة نوح عليه السلام : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) ( هود : 28 ) ، في قصة صالح بعد : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) ( هود : 63 ) ، للسائل أن يسأل عن مجاوبة كل واحد من هذين النبيين الكريمين لقومه ، لم تقدم المجرور في قول صالح عليه السلام ( وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) على المفعول الثاني من مفعولي أتى التي هو رحمة والوجه تأخيره لأنه فضله كما تقدم متأخرا في قول نوح عليه السلام ( وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) ؟ والجواب على ذلك : أن قوم صالح ، عليه السلام ، بالغوا في أساءت الجواب حين قالوا : ( قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا ) ( هود : 62 ) ، أي قد كنت مرجواً أن تسود فينا حتى نقطع عن رأيك ونرجع إليك من أمورنا ، فرموا مقامه النبوي بحط مرتبته عنهم ، فلما بالغوا في إساءة الجواب جاوبهم ، عليه السلام ، ردا لمقالهم الشنيع بقوله : ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ) ( هود : 63 ) ، ولا شك أن عليه السلام كذلك ، وأنه على بصيرة من أمره ، ولكنه خاطبهم على ما يجري في مناظرة من فرض ما لا يعتقده المناظر على حسب نطقه ، ولكنه يستنزل بذلك مناظرة ليقيم الحجة عليه ، فيقول هب كذا على ما
ملاك التأويل — صفحة 255 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي