الجزء الثاني
ملاك التأويل ( الجزء الثاني )
سورة هود
الآية الأولى منها قوله تعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) ( هود : 10 ) ، وفي سورة حم السجدة : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) ( فصلت : 50 ) ، للسائل أن يسأل عن زيادة ( منا ) وزيادة ( من ) في سورة السجدة وسقوطهما معا في سورة هود ؟
والجواب عن ذلك ، والله أعلم : أنه لم يرد في هود ما يستدعي تلك الزيادة ، وأما سورة السجدة فتدم فيها قوله : ( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي ) ( فصلت : 47 ) قطعا بهم وتنبيهاً على سوء مرتكبيهم ، وقد عاينوا الحق ، وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل من شركاء الله سبحانه ، وظنوا أي أيقنوا وعلموا أنه لا محيص لهم ولا مفر ، فلما تقدم ذكر الشركاء قال تعالى : ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا ) ، فنبه تعالى بقوله ( منا ) على أن لا شريك له ، ولا معطي غيره ، وأنه لا يأتي العبد شيء من سواه سبحانه . ولما لم يتقدم في سورة هود ذكر لذلك لم يرد فيها التنبيه بقوله : ( منا ) وأما زيادة : ( من ) في قوله : ( مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) فمناسب لإطناب هذا الغرض في هذه السورة ، فناسب ذلك الزيادة . ولإيجاز هذا القصد في سورة هود ناسبه سقوط ( من ) ، فجاء كل على ما يناسب ويجب ، ولم يكن ليلائم كلا من الموضوعين إلا ما ورد فيه ، والله أعلم .
الآية الثانية منها : ( بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) ( هود : 17 ) ، وفي آخر السورة إثر قوله : ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ( هود : 108 ) ، ( فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ) ( هود : 109 ) ، وفي سورة السجدة : ( ) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ) ( السجدة : 23 ) بثبات نون تكن ، وحذفها في آيتي سورة هود فللسائل أن يسأل عن ذلك ؟
والجواب عنه ، والله أعلم : أن العرب تصرفت في يكون عند دخول الجازم تصرفاً لم تفعله في نظائرها وما يشبهها ، وبسط هذا في مظانه ، فيكون الوجه في يكون عند دخول الجازم تسكين النون ، فتحذف الواو عند التقاء الساكنين كما ورد في سورة