تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
قرطبة قاعدة الأندلس ، أم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها ، وآثارهم بها ظاهرة ، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر ؛ وهم أعلام البلاد ، وأعيان الناس ؛ اشتهروا بصحة المذهب ، وطيب المكسب ، وحسن الزي ، وعلو الهمة ، وجميل الأخلاق ؛ وكان فيها أعلام العلماء ، وسادة الفضلاء ؛ وتجارها مياسير ، وأحوالهم واسعة ؛ وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً ، وبين المدينة والمدينة سور حاجز ؛ وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات وسائر الصناعات ؛ وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال ، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد . وهي في سفح جبل مطلٍ عليها ، يسمى جبل العروس ، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة . وفيها المسجد الجامع المشهور أمره ، الشائع ذكره ؛ من أجل مصانع الدنيا كبر مساحةٍ ، وأحكام صنعةٍ ، وجمال هيئةٍ ، وإتقان بنيةٍ ؛ تهمم به الخلفاء المروانيون ، فزادوا فيه زيادةً بعد زيادة ، وتتميماً إثر تتميم ، حتى بلغ الغاية في الإتقان ، فصار يحار فيه الطرف ، ويعجز عن حسنه الوصف ؛ فليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً وطولاً وعرضاً ؛ طوله مائة باع ، وعرضه ثمانون باعاً ، ونصفه مسقف ، ونصفه صحن بلا سقف ؛ وعدد قسى مسقفه تسع عشرة قوساً ، وسوارى مسقفه بين أعمدته وسوارى قببه صغاراً وكباراً مع سواري القبلة الكبرى وما يليها ألف ساريةٍ ؛ وفيه مائة وثلاث