تغير . ومن نزلت به من الناس مصيبة أو أغير له على سرحٍ لم يرج مغيثاً ولا يجد نصيراً ؛ وكان خبر هؤلاء الروم بلغ إشبيلية قبل ذلك بأيام ، واجتمع جمع كثير من العامة في المسجد الجامع ، فلما فرغ من صلاة الجمعة قاموا فصاحوا بالسلطان يحملونه على الخروج ؛ فلما كان يوم السبت خرج المنادي ينادي الناس بالخروج ، فأخذوا في ذلك وتجهزوا ، وخرج بعضهم في ذلك اليوم ، ولما كان يوم الأحد جد بالناس ، فخرجوا على كل صعب وذلول ، كبارهم وصغارهم ، بسلاح وبغير سلاح كما يخرخون إلى نزههم في البساتين والجنات ، فتكامل بعضهم في جهة طلياطة يوم الأحد ، ولم يخرج معهم من الخيل إلا دون المائة ؛ والروم في عددٍ ضخمٍ ، عليهم الدروع ، وبأيديهم السلحة ، وأكثر جميع المسلمين بغير سلاح إلا ما لا قدرة له ، وإنما هم أهل الأسواق والباعة ؛ وكان في من خرج من الجند أبو محمد عبد الله بن أبي بكر بن يزيد ، وهو أعلم بالحرب من هؤلاء الرعاع والغوغاء الذين لا يعقلون ، فصاحوا به أن يسير إلى لقاء العدو ، فأبى عليهم ونهاهم وحذرهم ؛ فأبوا عليه إلا اللقاء ، وسبوه ، وآذوه بالقول ؛ فزهمهم وانصرف عنهم ، هو ومن كان معه من الخيل ، إذ رأوا ما لم يروه ، وعاينوا ما لم يعاينوه ، وأبصروا ما لا طاقة لهم به ؛ فلما رأى الروم ذلك مالوا على أولئك العامة ، فلما رأوهم مستقبلين لهم أخذوا في الفرار ، فوقع القتل بهم ، فأفنى منهم بالقتل وأسر منهم كثير ، وأفلت كثير ؛ وكان الناس بعد يختلفون في مقدار من أتى القتل عليه من أهل إشبيلية والأسر ، فمقلل ومكثر ، فالمكثر يقول بلغوا عشرين ألفاً ، وقيل دون ذلك ، فالله أعلم . وخرج العادل من إشبيلية متوجهاً إلى حضرة مراكش في ذي القعدة من هذه السنة ، وهي سنة 622 .
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار — صفحة 129
مساهمون: محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
ص١٢٩