يَهْوَى جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا : ظَلُومٌ ، وَكَانَ شَدِيدَ الشَّغَفِ بِهَا ، وَكَانَتْ تَجِدُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَجْلِسِهِ وَقَدْ فُرِشَ بِالدِّيبَاجِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجَوَارِي وَالْمُغَنُّونَ ، وَلَيْسَ ظَلُومٌ حَاضِرَةً إِذْ وَجَّهَ بَعْضُ جَوَارِيهِ بِأُتْرُجَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بِالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ ، فَلَمَّا وُضِعَتْ فِي يَدِهِ شَمَّهَا وَشَرِبَ رِطْلًا وَذَكَرَ ظَلُومًا ، فَدَعَا بِوَصِيفٍ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْأُتْرُجَّةَ ، وَقَالَ لَهُ : اذْهَبْ بِهَذِهِ إِلَى ظَلُومٍ ، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهَا الْأُتْرُجَّةَ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى رَحِمَهَا جَمِيعُ مَنْ حَضَرَهَا ، وَقَالُوا : إِنَّنَا مَا رَأَيْنَا أَعْجَبَ مِنْكِ ، يُوَجِّهُ إِلَيْكِ بِتَحِيَّةٍ فَتَبْكِينَ فَقَالَتْ : أَنَا أَتَغَنَّى بِصَوْتٍ تَعْلَمُونَ مِمَّ بُكَايَ ، فَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي :
[ البحر الكامل ]
أَهْدَى لَهُ أَحْبَابُهُ أُتْرُجَّةً . . . فَبَكَى وَأَشْفَقَ مِنْ عَيَافَةِ زَاجِرِ
خَافَ التَّلَوُّنَ وَالْفِرَاقِ لِأَنَّهَا . . . لَوْنَانِ بَاطِنُهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ
فَلَمَّا جَاءَ الْغُلَامُ قَالَ : مَا بَطَّأَ بِكَ ؟ فَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً عَنْ مَنْزِلِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَوْضِعِهَا ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا :
[ البحر الكامل ]
ضَيِّعْتِ عَهْدَ فَتًى لِغَيْبِكِ حَافَظٌ . . . فِي حِفْظِهِ عَجَبٌ وَفِي تَضْيِيعِكِ
فَصِدْتِ عَنْهُ فَمَا لَهُ مِنْ حِيلَةٍ . . . إِلَّا الْوُقُوفُ إِلَى أَوَانِ رُجُوعِكِ
إِنْ تَقْتُلِيهِ وَتَذْهَبِي بِحَيَاتِهِ . . . فَبِحُسْنِ وَجْهِكِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِكِ
وَوَجَّهَ إِلَيْهَا بِالرُّقْعَةِ مَعَ الْغُلَامِ وَأَمَرَهُ أَلَّا يَأْخُذَ لَهَا جَوَابًا ، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهَا الرُّقْعَةَ قَرَأَتْهَا ثُمَّ بَكَتْ حَتَّى رَحِمَهَا جَمِيعُ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ قَالَتْ لِلْغُلَامِ : اسْمَعْ مِنِّي صَوْتًا وَاحْفَظْهُ ، وَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي :
[ البحر الخفيف ]
اعتلال القلوب — صفحة 209
مساهمون: أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي
ص٢٠٩