أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ وَلَا حِرْصًا عَلَى دُنْيَاكُمْ رَغْبَةً فِيهَا ، وَلَكِنِّي أَبْكِى عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ وَقِيَامِ لَيْلِ الشِّتَاءِ ، وَكَانَ يَقُولُ : ألهى فِي الدُّنْيَا الْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ ، وَفِي الْآخِرَةِ الْحِسَابُ وَالْعَذَابُ ، فَأَيْنَ الرَّوْحُ وَالْفَرَجُ . وَأَمَّا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ، فَقِيلَ لَهُ حِينَ أَصَابَهُ الْفَالِجُ : لَوْ تَدَاوَيْتَ ، قَالَ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الدَّوَاءَ حَقٌّ ، وَلَكِنِّي ذَكَرْتُ : { وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا } [ الفرقان : 38 ] ، وَكَانَتْ فِيهِمُ الْأَوْجَاعُ وَكَانَتْ فِيهِمُ الْأَطِبَّاءُ ، فَمَا بَقِيَ الْمُدَاوِي وَالْمُدَاوَى ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا النَّاعِتُ وَلَا الْمَنْعُوتُ لَهُ ، وَقِيلَ لَهُ : أَلَا تُذَكِّرُ النَّاسَ ، قَالَ : مَا أَنَا عَنْ نَفْسِي بِرَاضٍ ، فَأَتَفَرَّغَ مِنْ ذَمِّهَا إِلَى ذَمِّ النَّاسِ ، إِنَّ النَّاسَ خَافُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، فِي ذُنُوبِ النَّاسِ وَأَصَرُّوا عَلَى ذُنُوبِهِمْ ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ قَالَ : أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ مُذْنِبِينَ ، نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا وَنَنْتَظِرُ آجَالَنَا قَالَ : وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا رَآهُ قَالَ : { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } [ الحج : 34 ] . أَمَا لَوْ رَآكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَحَبَّكَ ، وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ يَقُولُ : أَمَّا بَعْدُ : فَأَعِدَّ زَادَكَ ، وَخُذْ فِي جِهَازِكَ ، وَكُنْ وَصِيَّ نَفْسِكَ . وَأَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ ، فَلَمْ يُجَالِسْ أَحَدًا قَطُّ فَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ، إِلَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ ، فَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ ، فَنَظَرَ إِلَى قَوْمٍ قَدِ اجْتَمَعُوا ، فَرْجَى أَنْ يَكُونُوا عَلَى ذِكْرٍ وَخَيْرٍ ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ : قَدِمَ غُلَامٌ لِي فَأَصَابَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : جَهَّزْتُ غُلَامِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ ، كَرَجُلٍ أَصَابَهُ مَطَرٌ غَزِيرٌ وَابِلٌ ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِمِصْرَاعَيْنِ عَظِيمَيْنِ فَقَالَ : لَوْ دَخَلْتُ
حديث الزهري — صفحة 581
مساهمون: عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري
ص٥٨١