والثاني : قَوْلُهُ : { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } 1 وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَمَنْسُوخَةٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِهَادَ كَانَ عَلَى ئلاث طَبَقَاتٍ :
الأُولَى : الْمَنْعُ مِنَ الْقِتَالِ ، وَذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ } 2 فنسخت بهذ الْآيَةِ وَوَجَبَ بِهَا التَّعَيُّنُ عَلَى الْكُلِّ ، وَسَاعَدَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً } 3 ثُمَّ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِالْجِهَادِ قَوْمٌ سَقَطَ عَلَى الْبَاقِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } 4 .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } مُحْكَمٌ وَأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ لازِمٌ لِلْكُلِّ ، إِلا أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، إِذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ فَلا وَجْهَ للنسخ ) 5 .
هامش
1 الآية ( 122 ) من سورة التوبة .
قال مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص : 139 ، وقد قيل إنها منسوخة بآية : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } .
2 الآية ( 77 ) من سورة النساء .
3 الآية ( 41 ) من سورة التوبة ، وهي الطبقة الثانية ، أي الأمر بالقتال .
4 الآية ( 122 ) من سورة التوبة ، وهي الطبقة الثالثة .
5 قال أبو جعفر النحاس في هذه الآية : ( وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : أَنَّ الجهاد فرض بالآية فقول صحيح ، وهذا قول حذيفة ، وعبد الله بن عمرو ، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا ، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض ، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضاً واجباً ، لأن نظير كتب عليكم القتال كتب عليكم الصيام ) .
وقال مكي بن أبي طالب : والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل . انظر : الناسخ والمنسوخ ص : 29 ؛ والإيضاح ص : 139 .
قلت : ذكر النحاس في المصدر السابق ومكي بن أبي طالب في المصدر السابق والمؤلف في زاد المسير 1 / 235 عن العلماء أن هذه الآية ناسخة لكل رخصة في القرآن في ترك القتال ، واختار النحاس إحكام الآية . وأما المؤلف فلم يرجح رأياً دون آخر في تفسيره ، وأورد النسخ في مختصر عمدة الراسخ الورتة الرابعة .