خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره ، وينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند قبر غيره كما يفعل عند قبره ، كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظمونه ، يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك . والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان ، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة ، مع أن ذلك لو شرع لهم لاشتغلوا بحقوقهم عن حقه ، واشتغلوا بطلب الحوائح منه كما هو الواقع ، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق ، فينقص تحقيق الشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .
وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان ، وأن لا يتخذوا بيته عيدًا ولا مسجدًا ، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور ، فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب ، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه حيث كانوا ، واهتمامهم بما أمروا به من طاعته ، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه وأهل الجنة وأهل النار ، فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون ، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك .
والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادًا هم من أهل معصيته ومخالفته ، لا من أهل طاعته وموافقته ، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه ، وإن ظنوا إن هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى
الإخنائية أو الرد على الإخنائي — صفحة 375
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٥