الباب العشرون
فيما جاء من الوجوه والنظائر في أوله فاء
الفساد
قد تقدم من قولنا فيه ما يكفي ، وهو في القرآن على خمسة أوجه :
الأول : الميل مع الكفار ؛ قال الله : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) وذلك أن المنافقين كانوا يمالون الكفار فيجترئون على المسلمين ويطمعون في النيل منهم والغلبة عليهم ، ويسرعون إلى محاربتهم ؛ وفي ذلك الفساد في الأرض ؛ لأن الحرب مفسدة للمال ومهلكة للنفس .
الثاني : الهلاك ؛ قال الله : ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) والدليل على أنه أراد الهلاك قوله : ( وَمَنْ فِيهِنَّ ) قال بعض المفسرين : الحق هو الله تعالى ؛ أي : لو اتبع الله أهوائهم .
وقيل : هو القرآن ؛ أي : لولا أنزل القرآن بما يريدون ، وليس يصح تفسيرا [ لأنه على هذه الآية على هذين الوجهين ] ( 1 ) .
والصواب ما قال أبو علي - رضي الله عنه - : وهو أنه لو صح ما يدين به الكفار من جعلهم الأصنام آلهة مع اللَّه لتفاوتت أفعالهم ، ولتمانعوا ففسدت السماوات والأرض ومن فيهن من الملائكة والإنس والجن ، وهذا مثل قوله : ( إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ومعنى : ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ )
الوجوه والنظائر — صفحة 363
مساهمون: أبي هلال العسكري
ص٣٦٣