فترى أنَّ هذه الطُلاَوةَ وهذا الظَّرْفَ ، إِنَّما هو لأنْ جعلَ النظرَ " يجمحُ " وليس هو لذلك ، بل لأَنْ قالَ في أول البيت " وإنِّي " حتى دخلَ اللامُ في قولِه " لتجمحُ " ثم قولُه : " مني " ثم لأنْ قالَ " نظرةٌ " ولم يقل " النَّظرُ " مثلاً ثم لمكانِ " ثمَّ " في قولِه : " ثم أُطرق " وللطيفةِ أخرى نصرتْ هذه اللطائفَ ، وهي اعتراضُهُ بينَ اسم " إنَّ " وخبرها بقوله : " على إشفاق عيني من العدي " .
89 - وإِنْ أردتَ أعجبَ من ذلك فيما ذكرتُ لك ، فانظرْ إِلى قولِه وقد تقدَّم إِنشادُه قَبْلُ :
سالتْ عَلَيْهِ شِعابُ الحيِّ حينَ دَعا . . . أَنْصَارَهُ بوجوهٍ كالدنانيرِ 1
فإنَّكَ تَرى هذه الاستعارة ، على لُطْفها وغَرابتها ، إِنَّما تَمَّ لها الحسْنُ وانتهى إِلى حيثُ انتهى ، بما تُوخِّيَ في وضْع الكلامِ من التقديمِ والتأخيرِ ، وتَجدُها قد مَلُحَتْ ولَطُفتْ بمعاونةِ ذلك ومؤازرتِه لها . وإن شكَكْتَ فاعمدْ إِلى الجارَّيْن والظَّرْف ، فأَزِلْ كلآ منها عن مكانِه الذي وضَعَه الشاعرُ فيه ، فقلْ : " سالتْ شعابُ الحيَّ بوجوهٍ كالدَّنانير عليه حين دعا أنصارَهُ " ، ثم انظرْ كيفَ يكونُ الحالُ ، وكيف يَذهبُ الحسْنُ والحلاوةُ ؟ وكيف تَعْدَم أرْيَحِيَّتَكَ التي كانت ؟ وكيف تَذْهب النشوةُ التي كُنتَ تجدُها ؟
90 - وجُملُة الأمر أن ههنا كلاماً حُسْنُه لِلَّفظ دونَ النظمِ ، وآخرَ حُسْنُه للنَّظمِ دونَ اللفظِ ، وثالثاً قد أتاهُ الحسنُ من الجهتين 2 ، ووجبت له
هامش
1 مضى في رقم : 68 ، والذي هنا يوهم أن الشعر لابن المعتز .
2 في المطبوعة " قرى الحسن " جمعه ، والذي أثبته هو من " س " ، ونسخة عند رشيد رضا ، وفي " ج " : " قد الحسن " أسقط " أتاه " .