تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
المزيةُ بكلا الأمرينِ . والإِشكالُ في هذا الثالثِ ، وهو الذي لا تَزالُ تَرى الغلَطَ قد عارضَك فيه ، وتَراكَ قَد حِفْتَ فيه على النَّظم 1 ، فتركْتَه وطمحْتَ ببصرِكَ إِلى اللفظِ ، وقدَّرْتَ في حُسْنٍ كان به وباللفظِ ، أَنه لِلَّفظِ خاصَّة . وهذا هوَ الذي أردتُ حين قلتُ لك : " إنَّ في الاستعارةِ ما لا يُمكنُ بَيانُه إلاَّ مِنْ بَعد العلمِ بالنظْم والوقوفِ على حقيقته " . مثال على ما تقع الشبهة فيه بين اللفظ والنظم : 91 - ومن دقيقِ ذلك وخَفِيِّه ، أنكَ ترى الناسَ إِذا ذَكَروا قولَه تعالى : { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا } [ مريم : 4 ] ، لم يَزيدوا فيه على ذِكْرِ الاستعارةِ ، ولم ينسبوا الشرف لا إِليها ، ولم يَرَوا لِلمزيَّة مُوجِباً سِواها ، هكذا ترى الأمر في ظ اهر كلامِهمْ . وليس الأَمرُ على ذلك ، ولا هذا الشَّرفُ العظيمُ ، ولا هذه المزيةُ الجليلةُ ، وهذه الرَّوعةُ التي تدخلُ على النُّفوس عند هذا الكلامِ لمجرَّدِ الاستعارة ، ولكن لأنْ سُلِك بالكلام طريقُ ما يسندُ الفعْلُ فيه إِلى الشيءِ 2 ، وهو لِما هو من سَبَبِهِ ، فيُرفعُ به ما يُسند إِليه ، ويُؤتى بالذي الفعلُ له في المعنى منصوباً بَعده ، مبيناً أنَّ ذلك الإِسنادَ وتلك النسبةَ إِلى ذلك الأولِ ، إِنَّما كانا من أجلِ هذا الثاني ، ولما بينَه وبينَه منَ الاتَّصالِ والملابسةِ ، كقولهم : " طابَ زيدٌ نفساً " ، و " قر عمرو عينًا " ، و " تصبب عرقًا " ، و " كرم أصلًا " ، و " حسن وجْهاً " وأشباهِ ذلك مما تَجِد الفعلَ فيه منقولاً عن الشيء إِلى ما ذلك الشيءُ من سببهِ . وذلك أَنَّا نَعلم أَنَّ " اشتعل " للشيبِ في المعنى ، وإنْ كانَ هو للرأسِ في اللفظ ، كما أنَّ " طاب " للنفس ، و " قر " للعين ، و " تصبب " للعرق ، وإن
هامش
1 " حاف عليه " ، جار عليه وظلمه . 2 في المطبوعة : " لأن يسلك " ، وهي لا شيء .