تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
ومثالُ التقديم قولُك : " ما جاءني زيدٌ ، وإِنما جاءني عمرو " ، وهذا مما أنتَ تعلَمُ به مكانَ الفائدةِ فيها ، وذلك أنك تعلم ضرورةأنك لو لم تُدْخِلْها وقلتَ : " ما جاءني زيدٌ وجاءني عمرو " ، لكان الكلامُ مع مَنْ ظنَّ أنهما جاءك جميعاً ، وأنَّ المعنى الآن مع دخولِها ، أَنَّ الكلامَ معَ مَن غَلِطَ في عينِ الجائي ، فظن أنه كان زيدًا لا عمرًا . بيان في انضمام " ما " إلى " إن " في " إنما " وقول النحاة هي " كافة " : 421 - وأمرٌ آخرُ ، وهو ليس ببعيدٍ : أنْ يَظُنَّ الظَّانُّ أنَّه ليس في انضمام " ما " إِلى " إِنّ " فائدةٌ أكثرُ من أنها تُبْطِل عملَها ، حتى تَرى النحويِّينَ لا يَزيدون في أكثرِ كلامهم على أنها " كافَّة " ، ومكانُها ههنا يُزيل هذا الظنَّ ويُبْطِلُه . وذلك أنك تَرى أنك لو قلت : " ما جاءني زيدٌ ، وإنَّ عمراً جاءني " ، لم يُعقل منه أنك أردتَ أنَّ الجائي " عمروٌ " لا " زيدٌ " بل يكونُ دخولُ " إنَّ " كالشيءِ الذي لا يُحتاجُ إِليه ، ووجدتَ المعنى يَنْبو عنه . " إنما " إذا جاءت للتعريض بأمر هو مقتضى الكلام ، ومثاله في الشعر : 422 - ثم اعلمْ أَنك إِذا استقريْتَ وجدْتَها أقوى ما تكونُ وأعْلَقَ ما ترى بالقلب ، إِذا كان لا يُراد بالكلامِ بعدَها نفْسُ معناه ، ولكنَّ التعريضَ بأمرٍ هو مُقْتضاه ، نحوُ أنَّا نعلمُ أَنْ ليس الغَرضُ مِن قولِه تعالى : { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } [ الرعد : 19 ] [ الزمر : 9 ] ، أنْ يَعلَم السَّامِعُون ظاهرَ معناه ، ولكنْ أن يُذَمَّ الكفَّارُ ، وأنْ يُقالَ إِنهم مِنْ فرطِ العِنادِ ومِنْ غلبةِ الهوى عليهم ، في حُكْم مَنْ ليس بذي عقْلٍ ، وإِنكم إنْ طمِعْتُم منهم في أنْ يَنْظروا ويَتذكَّروا ، كنتُم كمَنْ طمِعَ في ذلك مِنْ غيرِ أُولي الألباب . وكذلك قولُه : { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } [ النازعات : 45 ] ، وقولُه عَزَّ اسْمُه : { إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ