303 - وليس يُتَصوَّر مثلُ ذلك في الكلامِ ، لأنه لا سبيلَ إِلى أن تجيء إلى معنى بيتٍ مِنَ الشعرٍ ، أو فْصِلٍ منَ النثرِ ، فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارةأخرى 1 ، حتى يكونَ المفهومُ مِن هذهِ هو المفهومُ مِن تلكَ ، لا يُخالِفُه في صِفَةٍ ولا وَجْهٍ ولا أمرٍ من الأُمور . ولا يَغُرَّنَّكَ قولُ الناسِ : " قد أتى بالمعنى بعينِه ، وأخَذَ معنى كلامِهِ فأَدَّاهُ على وجههِ " ، فإِنه تَسَامحٌ منهم ، والمرادُ أنه أدَّى الغرَضَ ، فأمَّا أن يؤدِّيَ المعنى بعينهِ على الوجْه الذي يكونُ عليه في كلامِ الأوَّلِ ، حتى لا تَعْقِلَ ههنا إِلاّ ما عقَلْتَه هناك ، وحتى يكونَ حالُهما في نفْسِك حالَ الصورَتَيْنِ المشتبهتَيْنِ في عينك كالسوارَيْن والشَّنْفَيْن ، ففي غاية الإِحالةِ ، وظنٌّ يُفضي بصاحبهِ إِلى جهالةٍ عظيمةٍ ، وهي أنْ تكونَ الألفاظُ مختلفةَ المعاني إِذا فُرِّقتْ ، ومتَّفِقَتهَا إِذا جُمِعَتْ وأُلِّفَ منها كلامٌ . وذلك أنْ ليسَ كلامُنا فيما يُفْهَمُ من لفظتينِ مفردَتْين نحوُ " قعد " و " جلس " ، ولكنْ فيما فُهم من مجموعِ كلامٍ ومجموعِ كلامٍ آخرَ ، نحوُ أنْ تنظر في قولِهِ تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [ البقرة : 179 ] ، وقولِ الناسِ : " قتلُ البعضِ إحياءٌ للجميع " 2 ، فإِنَّه وإنْ كان قد جرَتْ عادةُ الناسِ بأنْ يقولوا في مثل هذا : " إنهما عباراتان معبَّرُهما واحدٌ " ، فليس هذا القولُ قولاً يمكنُ الأخذُ بظاهرِهِ ، أوْ يَقَعُ لعاقلٍ شكٌّ أنْ لَيسَ المفهومُ مِن أحدِ الكلامَيْن المفهومَ من الآخر .
هامش
1 في المطبوعة : " وصنعته " ، وعند رشيد رضا في نسخة أخرى كما هنا .
2 انظر ما سيأتي رقم : 461 .