تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨

باب اللفظ والنظم : فصل منه

فصل : إرادة معنى بعبارتين ، ما معناه : 300 - لا يكونُ لإِحدى العبارتين مزيةٌ عَلَى الأُخرى ، حتى يكونَ لها في المعنى تأثيرٌ لا يكونُ لصاحبتها . فإِنْ قلتَ : فإِذا أفادتْ هذه ما لا تُفيدُ تلكَ ، فليسَتا عبارتَيْنِ عَنْ معنى واحدٍ ، بل هما عبارتان عن معنَيَيْن اثنينِ . قيل لكَ : إنَّ قولَنا " المعنى " في مثل هذا ، يُرادُ به الغرضُ ، والذي أرادَ المتكلمُ أن يُثْبته أو يَنْفِيَه ، نَحْو إنْ تَقْصد تشبيهَ الرجلِ بالأسد فتقولَ " زيدٌ كالأسد " ، ثم تريدُ هذا المعنى بعينهِ فتقولُ : " كأن زيداً الأسدُ " ، فتُفيدُ تشبيهَهُ أيضاً بالأَسد ، إلاَّ أنك تَزيدُ في معنى تشبيهِهِ به زيادةً لم تَكُنْ في الأولِ ، وهي أنْ تَجعله من فَرْط شَجاعته وقوةِ قَلْبه ، وأنه لا يَرُوعُه شيءٌ ، بحيث لا يتَميَّزُ عن الأسدِ ، ولا يُقَصِّر عنه ، حتى يتوَّهم أنه أسدٌ في صورة آدميٍّ . وإِذا كان هذا كذلك ، فانظرْ هل كانت هذه الزيادةُ وهذا الفرقُ إلاَّ بما تُوَخِّيَ في نظمِ اللفظِ وترتيبهِ ، حيثَ قُدِّم " الكافُ " إِلى صدرِ الكلامِ ورُكِّبتْ مع " أنَّ " ؟ وإِذا لم يكنْ إِلى الشكِّ سبيلٌ أنَّ ذلكَ كانَ بالنظم ، فاجعلْه العِبْرَة في الكلام كله ، ورضى نَفْسَك على تفهُّم ذلكَ وتَتبُّعه ، واجعلْ فيها أنك تزاولُ منه أمْراً عظيماً لاَ يُقادَرُ قَدْرُه ، وتَدخُلُ في بحرٍ عميقٍ لا يُدْرَك قعرُه .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 258 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر