وأنه يُكْنَى به عن ذلك ، حتى إنَّه يكون مفهومَ اللفظ 1 ، وإذا كان مفهوماً مِنَ اللفظ قَبْلَ أن يُذْكَر ، كان ذكرهُ إذا ذُكِرَ تأكيداً لا محالَة ، لأنَّ حَدَّ " التأكيدِ " أنْ تحقِّقَ باللفظِ مَعْنًى قَد فُهِمَ مِنَ لَفْظٍ آخرَ قَدْ سَبَقَ منَكَ . أفلا ترى : أنه إنما كان " كلُّهم " في قولَك : " جاءني القوم كلُّهم " تأكيداً من حَيْثُ كانَ الذي فُهِمَ منه ، وَهُوَ الشُّمولُ ، قد فُهم بديئاً من ظاهِرِ لفظِ " القومِ " ، ولو أنَّه لم يكن فُهِم الشمولُ من لفظِ " القومِ " ، ولا كانَ هو مِنْ موجبه ، لم يكن " كلٌّ " تأكيداً ، ولكان المشمول مُستفاداً من " كلِّ " ابتداء .
وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيهٌ بالصِّفة ، فهو أنه إذا نُفَيَ أن يكونَ بَشراً ، فقد أثبتَّ له جنسَ سِواه ، إذْ منَ المُحالِ أن يخرُجَ من جنسِ البشرِ ، ثم لا يدخُلُ في جنسٍ آخرَ . وإذا كانَ الأمُر كذلكَ ، كان إثباتُه " مَلَكاً " تبييناً وتعييناً لذلك الجنسِ الذي أريدَ إدخالُه فيه ، وإغناء عن أن تحتاجَ إلى أن تسألَ فتقولَ : " فإنْ لم يكنْ بشراً ، فما هُوَ ؟ وما جنسُه ؟ " كما أنك إذا قلتَ : " مررتُ بزيدٍ الظريفِ " كان " الظريفُ " تَبييناً وتعييناً للذي اردتَ مِنْ بينَ مَنْ له هذا الاسمُ ، وكنتَ قد أغنيتَ المخاطَبَ عن الحاجةِ إلى أن يقول : " أيَّ الزيدين أردت ؟ " .
الإثبات والتأكيد بأن وإلا :
262 - ومما جاءَ فيه الإِثباتُ " بإنْ وإلا " على هذا الحد قوله عز وجل : { مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [ يس : 69 ] وقولُه : { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [ النجم : 3 ، 4 ] أفلا ترى أنَ الإِثباتَ في الآيتين جميعاً تأكيدٌ وتثبيتٌ لنَفي ما نُفِيَ ؟ فإِثباتُ ما عُلِّمَه
هامش
1 عند هذا الموضع حاشية في " ج " نصها : " معناه أنه إذا كان الحال حال تعظيم ، لم يحتمل قولك : " ما هو بآدمي " ، و " ما هو بشرًا " ، إلا أن تقول : إنه ملك " .