211 - وههنا شيءٌ يجبُ النظرُ فيه ، وهو أنَّ قولك : " أنتَ الحبيبُ " ، كقولِنا " أنتَ الشجاعُ " ، تُريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا 1 : " زيدٌ المنطلقُ " ، تريد أنه الذي كان منهُ الانطلاقُ الذي سمِعَ المخاطَبُ به ؟ وإذا نظرْنا وجدناه لا يَحْتمِل أن يكونَ كقولنا : " أنتَ الشجاعُ " ، لأنه يقتضي أن يكونَ المعنى أنَّه لا مَحبَّة في الدنيا إلا ما هو بهِ حبيبٌ ، كما أنَّ المعنى في " هوَ الشجاعُ " أنه لا شجاعَة في الدنيا إلاَّ ما تَجِدُه عندَه وما هو شجاعٌ به . وذلك مُحال .
212 - وأمرٌ آخرُ وهو أنَّ الحبيب " فعيل " فمعنى " " مفعول " ، فالمحبة إذن ليست هل له بالحقيقة ، وإِنما هي صفةٌ لغيرِه قد لابَسَتْه وتعلَّقَتْ به تعلُّقَ الفعلِ بالمفعول . والصفةُ إذا وُصِفَتْ بكمالٍ وُصِفتْ به على أَنْ يَرجِعَ ذلك الكمالُ إلى مَنْ هي صفةٌ له ، دونَ مَن تُلابِسُه ملابسةَ المفعول . وإذا كان كذلك ، يعد أن تَقولَ : " أنتَ المحبوبُ " ، على معنى أنتَ الكاملُ في كونك مَحبوباً ، كما أنَّ بعيداً أن يقالَ : " هو المضروبُ " ، على معنى أَنه الكاملُ في كونِه مضروباً .
وإنْ جاء شيءٌ من ذلك جاء على تعسُّفٍ فيهِ وتأويلٍ لا يُتصوَّر ههنا ، وذلك أنْ يقالَ مثلاً : " زيدٌ هو المظلومُ " ، على معنى أنه لم يُصِبْ أحداً ظلمٌ يَبلغُ في الشِّدَةِ والشَّناعة الظلمَ الذي لَحِقَه ، فصار كلُّ ظلمٍ سِواهُ عَدْلاً في جَنْبهِ ولا يجيءُ هذا التأويلُ في قولنا : " أنتَ الحبيبُ " ، لأنَّا نَعْلم أَّنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا : إنَّ أحداً لم يُحبَّ أحدًا مجتبى لك ، وأن ذلك قد أبطل
هامش
1 في المطبوعة : " أو كقولنا " .