تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
عليها أَدْفأَ وأَظَلَّ . ولا يجَيءُ هذا المعنى مع إظهار المفعول ، إذْ لا تقول : " حجراتٍ من شَأْنِ مِثْلِها أن تُدفئنا وتُظلَّنا " ، هذا لغوٌ من الكلام . فاعرِفْ هذه النكْتَةَ ، فإنَّك تَجدُها في كثير من هذا الفَنِّ مضمومةً إلى المعنى الآخر ، الذي هو توفيرُ العناية على إثباتِ الفعلِ ، والدلالةِ على أنَّ القصدَ من كر الفعلِ أن تُثْبتَه لفاعلهِ ، لا أن تُعلِمَ التباسه بمفعوله . زيادة بيان في الحذف الخفي : 164 - وإن أردتَ أنْ تزدادَ تَبييناً لهذا الأصل 1 ، أعني وُجوبَ أنْ تُسْقِط المفعولَ لتتوفَّر العنايةُ على إثباتِ الفعل لفاعلِه ولا يَدخلَها شَوْبٌ ، فانظرْ إلى قوله تعالى : { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } [ القصص : 23 ، 24 ] ، فيها حذف مفعول في أربعة مواضع ، إذا المعنى : " وجدَ عليه أمةَ منَ الناس يَسْقون " أغنامهم أو مواشيهم و " امرأتين تذودان " غنمهما و " قالتا لا نَسْقِي " غنمَنَا " فسقى لهما " غنمَهَما . ثم إنَّه لا يَخْفى على ذي بَصَرٍ أنه ليس في ذلك كلِّه إلاَّ أن يُتْرَكَ ذِكْرُه ويُؤْتى بالفعل مطْلقاً ، وما ذاك إلاَّ أنَّ الغرضَ في أن يُعلَم أَنه كان منَ الناس في تلك الحال سَقْيٌ ، ومن المرأتينِ ذَوْدٌ ، وأنهما قالتا : لا يكونُ منَّا سقْيٌ حتى يُصْدِرَ الرعاءُ ، وأنه كان مِنْ موسى عليه السلام من عبد ذلك سَقْي ، فأمَّا ما كان المَسْقيُّ ؟ أغَنماً أم إبلاً أم غيرَ ذلك ، فخارجٌ عن الغرَض ، ومُوْهِمٌ خِلافَه . وذاكَ أنه لو قيل : " وجَد مِنْ دونِهمْ امرأتينِ تَذُودانِ غنَمَهما " ، جاز
هامش
1 في المطبوعة : " تبيينًا " ، وفي " س " : " لهذا الأمر " .
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 161 | عبد القاهر الجرجاني / محمود محمد شاكر