تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
وَإِذَا رَاهَقَا ، وَقَالَا : بَلَغْنَا ، صُدِّقَا ، وَلَا يُحْجَرُ عَلَى ( سم ) الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا يُنْفِقُ مَالَهُ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ . ثُمَّ إِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ ،
شرح
فِيهَا عَلَى الْبُلُوغِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً ، وَالْجَارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ . ( وَإِذَا رَاهَقَا وَقَالَا بَلَغْنَا صُدِّقَا ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا ، فَيُصَدَّقَانِ فِيهِ إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقُ . قَالَ : ( وَلَا يُحْجَرُ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا يُنْفِقُ مَالَهُ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ ) وَقَالَا : نَحْجُرُ عَلَيْهِ وَيُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ نَظَرًا لَهُ ، لِأَنَّا حَجَرْنَا عَلَى الصَّبِيِّ لِاحْتِمَالِ التَّبْذِيرِ ، فَلَأَنْ نَحْجُرَ عَلَى السَّفِيهِ مَعَ تَيَقُّنِهِ كَانَ أَوْلَى ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ عَنْهُ مَالُهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ بِدُونِ الْحَجَرِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّبْذِيرُ بِمَا يَعْقِدُهُ مِنَ الْبِيَاعَاتِ الظَّاهِرَةِ الْخُسْرَانُ ، وَقَدْ رُوِيَ « أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَقَضَى دُيُونَهُ » وَبَاعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ لِسَفَهِهِ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ : أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ كَانَ يُغَبْنُ فِي الْبِيَاعَاتِ فَطَلَبَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْحَجْرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : « إِذَا ابْتَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَفِي الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ » وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ بِالْحَجْرِ فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى إِتْلَافِ أَمْوَالِهِ بِتَزْوِيجِ الْأَرْبَعِ وَتَطْلِيقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَوَقْتٍ ، وَلَا مَعْنَى لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ، وَلَا يَنْدَفِعُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِهْدَارٌ لِآدَمِيَّتِهِ وَإِلْحَاقٌ لَهُ بِالْبَهَائِمِ ، وَضَرَرُهُ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِهِ بِالتَّبْذِيرِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ ذَوُو الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ الضَّرَرِ الْأَعْلَى لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْأَدْنَى حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْعَامِّ جَازَ كَالْمُفْتِي الْمَاجِنِ ، وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ ، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ لِعُمُومِ الضَّرَرِ مِنَ الْأَوَّلِ فِي الْأَدْيَانِ ، وَمِنَ الثَّانِي فِي الْأَبْدَانِ ، وَمِنَ الثَّالِثِ فِي الْأَمْوَالِ . وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ قُلْنَا : إِنَّمَا بَاعَ مَالَهُ بِرِضَاهُ ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَكُنْ سَفِيهًا ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ وَقَدِ اخْتَارَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْقَضَاءِ وَفَصْلِ الْحُكْمِ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقِيلَ كَانَ يَبِيعُ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ عُقُوبَةً مِنْ مَنْعِ الْمَالِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَمَنْعُ الْمَالِ عَنْهُ مُفِيدٌ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ السَّفَهِ يَكُونُ فِي الْهِبَاتِ وَالنَّفَقَاتِ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْيَدِ ; وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي وَرُفِعَ إِلَى قَاضٍ آخَرَ فَأَبْطَلَهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْأَوَّلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا قَضَاءَ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، فَلَوْ أَمْضَاهُ الثَّانِي ثُمَّ رُفِعَ إِلَى ثَالِثٍ لَا يَنْقُضُهُ ؛ لِأَنَّ الثَّانِي قَضَى فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَلَا يُنْقَضُ ، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ : إِنْ كَانَ مُبَذِّرًا اسْتَحَقَّ الْحَجْرَ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي ، فَإِذَا صَلَحَ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا بِإِطْلَاقِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : تَبْذِيرُهُ يَحْجُرُهُ وَإِصْلَاحُهُ يُطْلِقُهُ نَظَرًا إِلَى الْمُوجِبِ وَزَوَالِهِ . وَلِأَبِي يُوسُفَ : أَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَضَاءِ لِيَتَرَجَّحَ بِهِ . ( ثُمَّ ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ . ( إِذَا بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ )
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 96 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة