تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ .
شرح
[ كِتَابُ أَدَبِ الْقَاضِي ] الْأَدَبُ : هُوَ التَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ فِي مُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَمُعَامَلَتِهِمْ ، وَأَدَبُ الْقَاضِي : الْتِزَامُهُ لِمَا نَدَبَ إِلَيْهِ الشَّرْعُ مِنْ بَسْطِ الْعَدْلِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ ، وَتَرْكِ الْمَيْلِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِ الشَّرْعِ ، وَالْجَرْيِ عَلَى سُنَنِ السُّنَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ : يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ } [ الإسراء : 23 ] وَبِمَعْنَى الْإِخْبَارِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } [ الإسراء : 4 ] وَبِمَعْنَى الْفَرَاغِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ } [ الجمعة : 10 ] وَبِمَعْنَى التَّقْدِيرِ ، يُقَالُ : قَضَى الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ : أَيْ قَدَّرَهَا ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي إِقَامَةِ شَيْءٍ مَقَامَ غَيْرِهِ ، يُقَالُ : قَضَى فُلَانٌ دَيْنَهُ : أَيْ أَقَامَ مَا دَفَعَهُ إِلَيْهِ مَقَامَ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ . وَفِي الشَّرْعِ : قَوْلٌ مُلْزِمٌ يَصْدُرُ عَنْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ ، وَفِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ ، فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْحُكْمِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ ، وَفَرَغَ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا أَوْ فَرَغَا مِنَ الْخُصُومَةِ ، وَقَدَّرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَمَا لَهُ ، وَأَقَامَ قَضَاءَهُ مَقَامَ صُلْحِهِمَا وَتَرَاضِيهِمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ لِلْخُصُومَةِ . اعْلَمْ أَنَّ ( الْقَضَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ ) وَمَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالْقَضَاءِ ، وَأَثْبَتَ لِآدَمَ اسْمَ الْخَلِيفَةِ ، وَقَالَ لِنَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } [ المائدة : 49 ] وَقَالَ لِدَاوُدَ : { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } [ ص : 26 ] وَلِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَإِظْهَارَ الْحَقِّ ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ ، وَإِيصَالَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرَائِعَ ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - . وَالْقَضَاءُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : وَاجِبٌ ، وَهُوَ أَنْ يَتَعَيَّنَ لَهُ ، وَلَا يُوجَدَ مَنْ يَصِحُّ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَدَّى إِلَى تَضْيِيعِ الْحُكْمِ ، فَيَكُونُ قَبُولُهُ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمُسْتَحَبٌّ ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَكِنْ هُوَ أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ . وَمُخَيَّرٌ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الصَّلَاحِيَةِ وَالْقِيَامِ بِهِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ قَبِلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَا . وَمَكْرُوهٌ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ ، لَكِنَّ غَيْرَهُ أَقْوَمُ بِهِ وَأَصْلَحُ . وَحَرَامٌ ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْهُ ، وَعَدَمَ الْإِنْصَافِ فِيهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهِ مِنَ اتِّبَاعِ الْهَوَى مَا لَا يَعْرِفُونَهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ رِزْقُهُ وَكِفَايَتُهُ وَكِفَايَةُ أَهْلِهِ وَأَعْوَانِهِ وَمَنْ يُمَوِّنُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْعَامَّةِ ، فَلَوْلَا الْكِفَايَةُ رُبَّمَا طَمِعَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ ، وَلِهَذَا قَالُوا : يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ مَنْ لَهُ ثَرْوَةٌ لِئَلَّا يَطْمَعَ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 82 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة