الاختيار لتعليل المختار — صفحة 83
وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي ، فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَإِنْ تَنَزَّهَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ خَرَجَ إِلَى السُّوقِ لِيَكْتَسِبَ ; فَرَدَّهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ ، وَكَانَ عِنْدَهُ عَبَاءَةً قَدِ اشْتَرَاهَا مِنْ رِزْقِهِ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَعْطِيهَا عُمَرَ لِيَرُدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَى لَا يَأْخُذُ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ . [ من يولى القضاء ] قَالَ : ( وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا ) لِأَنَّ الْحَادِثَةَ إِذَا وَقَعَتْ يَجِبُ طَلَبُهَا مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ مِنَ الْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَعْمَلَ الرَّأْيَ وَالِاجْتِهَادَ ، وَيَشْهَدُ لَهُ « حَدِيثُ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْيَمَنِ وَوَلَّاهُ الْحُكْمَ بِهَا ، فَقَالَ لَهُ : " كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ حُكْمٌ ؟ " قَالَ : أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ " قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ : " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ " قَالَ : أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ » وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الْإِجْمَاعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ مَعَ وُجُودِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - . قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي ) أَمَّا أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ ؛ فَلِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ أَقْوَى وَأَعَمُّ وِلَايَةً ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَضَاءِ ، وَمَنْ لَا فَلَا ; وَلَا تَجُوزُ وِلَايَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ ، وَلَا الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلِوُجُودِ الِالْتِبَاسِ عَلَيْهِ فِي الصَّوْتِ وَغَيْرِهِ ; وَالْأُطْرُوشُ يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْخُصُومِ ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْإِقْرَارَ ، فَرُبَّمَا يُنْكِرُ إِذَا اسْتَعَادَهُ فَتَضِيعُ حُقُوقُ النَّاسِ ; وَالْفَاسِقُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَ كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِشَهَادَتِهِ . وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ ، وَلَوْ فَسَقَ بَعْدَ الْوِلَايَةِ اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ ، وَقِيلَ يَنْعَزِلُ لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ مَا رَضِيَ بِهِ إِلَّا عَدْلًا ، وَيُشْتَرَطُ دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ وَدِمَائِهِمْ وَلَا يُوثَقُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ . وَأَمَّا الْفَهْمُ فَلْتَفْهَمْ مَعَانِيَ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْقَضَايَا وَالدَّعَاوَى وَكُتُبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ فَلِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَضَاءِ وَلَا يَعْلَمُ كَيْفَ يَقْضِي . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : لَأَنْ يَكُونَ الْقَاضِي وَرِعًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا . وَقَالَ : إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ يَكْفِي فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ . وَقِيلَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْجَاهِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالِاسْتِفْتَاءِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَالِمًا