وَفِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى ، وَفِي الصَّنَائِعِ ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ ، وَفِي الْمَالِ . وَمَنْ لَهُ أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الْحُرِّيَّةِ لَا يُكَافِئُ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ . وَالْأَبَوَانِ ( س ) وَالْأَكْثَرُ سَوَاءٌ .
شرح
لِبَعْضٍ ، لَا يُكَافِئُهُمُ الْمَوَالِي ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ ، وَالْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ » ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ » .
وَلَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِي قُرَيْشٍ ، وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ ؛ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ عُثْمَانَ وَكَانَ عَبْشَمِيًّا أُمَوِيًّا ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - زَوَّجَ ابْنَتَهُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَ عَدَوِيًّا . قَالَ مُحَمَّدٌ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَبَيْتِ الْخِلَافَةِ تَعْظِيمًا لَهَا .
قَالَ : ( وَفِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى ) حَتَّى إِنَّ بِنْتَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ لَوْ تَزَوَّجَتْ فَاسِقًا كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْجَرِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنَّهَا تُعَيَّرُ بِذَلِكَ . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ » - إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَاحِشًا ، كَمَنْ يُصْفَعُ وَيُسْخَرُ مِنْهُ ، أَوْ يَخْرُجُ سَكْرَانَ وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا . وَلِأَنَّ الْأَمِيرَ النَّسِيبَ كُفْءٌ لِلدَّنِيَّةِ ، إِنْ كَانَ لَا يُبَالِي بِمَا يَقُولُونَ فِيهِ ، وَلَا يَلْحَقُهَا بِهِ شَيْنٌ ، بِخِلَافِ الْفَاحِشِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْحَقُهَا بِهِ شَيْنٌ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : إِذَا كَانَ الْفَاسِقُ ذَا مُرُوءَةٍ فَهُوَ كُفْءٌ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُتَسَتِّرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهَا الشَّيْنُ .
قَالَ : ( وَفِي الصَّنَائِعِ ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُعَيَّرُونَ بِالدَّنِيءِ مِنْهَا . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِقَالُ عَنْهَا ، فَلَيْسَتْ وَصْفًا لَازِمًا . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : لَا يُعْتَبَرُ ، إِلَّا أَنْ يُفْحِشَ كَالْحَائِكِ وَالْحَجَّامِ وَالْكَنَّاسِ وَالدَّبَّاغِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كُفْؤًا لِبِنْتِ الْبَزَّازِ وَالْعَطَّارِ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ .
قَالَ : ( وَفِي الْحُرِّيَّةِ ) فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ كُفْؤًا لِلْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّهَا تُعَيَّرُ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ نَقْصٌ وَشَيْنٌ .
قَالَ : ( وَفِي الْمَالِ ) وَهُوَ مِلْكُ الْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ وَالنَّفَقَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَكُونُ كُفْؤًا ; لَأَنَّ بِالنَّفَقَةِ تَقُومُ مَصَالِحُ النِّكَاحِ ، وَيَدُومُ الِازْدِوَاجُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ . وَالْمَهْرُ بَدَلُ الْبُضْعِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِيفَائِهِ . وَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَعَارَفَ النَّاسُ تَعْجِيلَهُ حَتَّى يُسَمُّونَهُ نَقْدًا ، وَالْبَاقِي بَعْدَهُ تَعَارَفُوهُ مُؤَجَّلًا . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : إِنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَهْرَ دُونَ النَّفَقَةِ لَيْسَ بِكُفْءٍ ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ النَّفَقَةَ دُونَ الْمَهْرِ فَهُوَ كُفْءٌ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ تَجْرِي فِيهِ الْمُسَاهَلَةُ ، وَيُعَدُّ الرَّجُلُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِقُدْرَةِ أَبِيهِ . أَمَّا النَّفَقَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَوْمٍ .
وَفِي النَّوَادِرِ : عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ : امْرَأَةٌ فَائِقَةٌ فِي الْيَسَارِ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ رُدَّ عَقْدُهَا . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى إِيفَاءِ مَا يُعَجِّلُ ، وَيَكْتَسِبُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ - كَانَ كْفُؤًا لَهَا ، وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ .
قَالَ : ( وَمَنْ لَهُ أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الْحُرِّيَّةِ لَا يُكَافِئُ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بِالْأَبِ وَتَمَامَهُ بِالْجَدِّ . ( وَالْأَبَوَانِ وَالْأَكْثَرُ سَوَاءٌ ) ؛ لِمَا بَيَّنَّا . وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْوَاحِدُ وَالْأَكْثَرُ سَوَاءٌ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الدَّعْوَى . وَمَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ كُفْؤًا