تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
كِتَابُ الْعَارِيَةِ وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا فٍيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ .
شرح
[ كِتَابُ الْعَارِيَةِ ] وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعَاوُرِ : وَهُوَ التَّدَاوُلُ وَالتَّنَاوُبُ ، يُقَالُ : تَعَاوَرْنَا الْكَلَامَ بَيْنَنَا : أَيْ تَدَاوَلْنَاهُ . وَسَمَّى الْعَقْدَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَاوَلُونَ الْعَيْنَ وَيَتَدَافَعُونَهَا مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ . أَوْ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ ، إِلَّا أَنَّ الْعَرِيَّةَ اخْتَصَّتْ بِالْأَعْيَانِ ، وَالْعَارِيَةَ بِالْمَنَافِعِ . وَسُمِّيَتْ بِهِ ؛ لِتَعَرِّيهِ عَنِ الْعِوَضِ . وَهِيَ عَقْدٌ مُسْتَحَبٌّ شَرْعًا ، مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ ، وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } [ المائدة : 2 ] . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « لَا يَزَالُ اللَّهُ فِي عَوْنِ الْمُسْلِمِ مَا دَامَ فِي عَوْنِ أَخِيهِ » . وَذَمَّ تَعَالَى عَلَى مَنْعِهِ ، فَقَالَ : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [ الماعون : 7 ] ، أَيِ الْعَوَارِي مِنَ الْقِدْرِ وَالْفَأْسِ وَنَحْوِهِ ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْعَارِيَةُ مَرْدُودَةٌ » . وَاسْتَعَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُرُوعًا مِنْ صَفْوَانَ ، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ نَوْعَانِ : بِعِوَضٍ ، وَغَيْرِ عِوَضٍ . وَالْأَعْيَانُ قَابِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، فَكَذَا الْمَنَافِعُ بِالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ . قَالَ : ( وَهِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ) ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : إِبَاحَةُ الْمَنَافِعِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِجَارَةَ مَا اسْتَعَارَ ، وَلَوْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ لَمَلَكَ إِجَارَتَهَا ، وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَهُ أَنْ يُعِيرَ . وَلَوْ كَانَتْ إِبَاحَةً لَمَا مَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الطَّعَامُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ . وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزِ الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُؤَقَّتٌ يَنْقَطِعُ حَقُّهُ عَنْهَا إِلَى انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ ، وَالْعَارِيَةُ تَمْلِيكٌ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا مَتَى شَاءَ . فَلَوْ جَازَتِ الْإِجَارَةُ يَلْزَمُ الْمُعِيرُ مِنَ الضَّرَرِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ ، وَلَا رَضِيَ بِهِ - فَلَا يَجُوزُ . أَوْ نَقُولُ : الْإِجَارَةُ أَقْوَى وَأَلْزَمُ مِنَ الْإِعَارَةِ ، وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ . قَالَ : ( وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ) . اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعَانِ : حَقِيقَةٌ ، وَمَجَازٌ . فَالْحَقِيقَةُ : إِعَارَةُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . وَالْمَجَازُ : إِعَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إِلَّا بِاسْتِهْلَاكِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْعَدَدِيِّ الْمُتَقَارِبِ ، فَيَكُونُ إِعَارَةً صُورَةً قَرْضًا مَعْنًى ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاسْتِهْلَاكِهِ بِبَدَلٍ ، فَكَانَ تَمْلِيكًا بِبَدَلٍ وَهُوَ الْقَرْضُ . وَلَوِ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ ؛ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ ، أَوْ يُزَيِّنَ بِهَا حَانُوتَهُ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى مَا سَمَّى مِنَ الْمَنْفَعَةِ . وَلَا يَكُونُ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 55 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة