تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ ، وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ ، وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .
شرح
[ كِتَابُ اللُّقَطَةِ ] وَهِيَ كَاللَّقِيطِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى ، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ : اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ اسْمُ الْمُلْتَقِطِ كَالضُّحَكَةِ وَاللُّمَزَةِ وَالْهُمَزَةِ . فَأَمَّا الْمَالُ الْمَلْقُوطُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْقَافِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . قَالَ : ( وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ ) لِئَلَّا تَصِلَ إِلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ ( وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ ) صِيَانَةً لِحَقِّ النَّاسِ عَنِ الضَّيَاعِ ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّمَعَ فِيهَا وَتَرْكَ التَّعْرِيفِ وَالرَّدِّ فَالتَّرْكُ أَوْلَى صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ . وَاللُّقَطَةُ : مَا يُوجَدُ مَطْرُوحًا عَلَى الْأَرْضِ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا حَافِظَ لَهُ . وَالضَّالَّةُ : الدَّابَّةُ تَضِلُّ الطَّرِيقَ إِلَى مَرْبِطِهَا وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي زَمَانِنَا الضَّيَاعُ ، فَإِنْ أَخَذَهَا وَأَشْهَدَ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ . وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ ، أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ مَا حَوَّلَهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّ بِالتَّحْوِيلِ الْتَزَمَ الْحِفْظَ ، فَبِالرَّدِّ صَارَ مُضَيِّعًا وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ . قَالَ : ( وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ) وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِلرَّدِّ أَوْ يَقُولَ : مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ ( فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا ) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الْحِسْبَةُ لَا الْمَعْصِيَةُ . وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مُتَصَرِّفٍ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُصَدَّقُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَإِنْ قَالَ أَخَذْتُهُ لِنَفْسِي ضَمِنَ بِالْإِجْمَاعِ بِإِقْرَارِهِ ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَمْ يَضْمَنْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا كَالْبَيِّنَةِ . قَالَ : ( وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ) هُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا ، وَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةً فَصَاعِدًا عَرَّفَهَا حَوْلًا . وَعَنْ مُحَمَّدٍ : التَّقْدِيرُ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنِ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ حَوْلًا » مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ . وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : « وَجَدْتُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا » ، وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ وَاسْتِبَاحَةِ الْفَرْجِ بِهَا وَلَا كَذَلِكَ مَا دُونَهَا .