وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ ، وَدِيَتُهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ ، وَالْمُلْتَقِطُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي بِشَرْطِ الرُّجُوعِ ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ ، وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ مَعًا ثَبَتَ مِنْهُمَا إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ .
شرح
يُقَالُ عِنْدَ التُّهْمَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : إِنَّمَا عَرَّضَ عُمَرُ بِالرَّجُلِ : أَيْ لَعَلَّكَ صَاحِبُ اللَّقِيطِ ، يُرِيدُ أَنَّكَ زَنَيْتَ بِأُمِّهِ وَادَّعَيْتَهُ لَقِيطًا ، فَشَهِدَ لَهُ جَمَاعَةٌ بِالْخَيْرِ فَتَرَكَهُ .
قَالَ : ( وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ ، وَدِيَتُهُ لَهُ وَوَلَاؤُهُ ) لِيَكُونَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ ، وَلَوْ قُتِلَ عَمْدًا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ صَالَحَ عَلَى الدِّيَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا غَيْرُ لِاحْتِمَالِ الْوَلِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ إِلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ وَلَا يُقْتَصُّ دُونَهُ . وَلَهُمَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ » ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي لَا يُعْرَفُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ كَالْعَدَمِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ فِيهِ إِبْطَالَ حَقِّ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُحَدُّ قَاذِفُ اللَّقِيطِ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ أُمِّهِ ; لِأَنَّ فِي حِجْرِهَا وَلَدًا لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ فَكَانَتْ تُهْمَةُ الزِّنَا قَائِمَةً كَالْمُلَاعَنَةِ .
قَالَ : ( وَالْمُلْتَقِطُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ) لَسَبْقِ يَدِهِ عَلَيْهِ كَالْمُبَاحَاتِ ، فَإِنْ سَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَهُ إِنْ شَاءَ قَبِلَهُ وَإِنْ شَاءَ لَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَلَدُهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَقِيطٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حِفْظَهُ وَتَرْبِيَتَهُ ، فَإِنْ دَفَعَهُ الْمُلْتَقِطُ إِلَى آخَرَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ .
قَالَ : ( وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ) لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ ( إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْقَاضِي بِشَرْطِ الرُّجُوعِ ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الرُّجُوعَ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّهُ قَضَى حَقًّا عَلَيْهِ وَاجِبًا بِأَمْرِ الْقَاضِي فَصَارَ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ بِأَمْرِهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ حَقٍّ وَاجِبٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَرْغِيبًا لَهُ فِي إِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّبَرُّعِ ، فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ لَهُ أَدِّ عَنِّي زَكَاةَ مَالِي فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِالشَّرْطِ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْقَاضِي ، لَكِنْ صَدَّقَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِحَقِّهِ .
قَالَ : ( وَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ ) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْعِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ النَّاسَ يَتَشَرَّفُونَ بِالْأَنْسَابِ وَيُعَيَّرُونَ بِعَدَمِهَا ، وَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ فَتَبْطُلُ يَدُ الْمُلْتَقِطِ .
( وَإِنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ مَعًا ثَبَتَ مِنْهُمَا ) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ ( إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِي جَسَدِهِ ) فَيَكُونَ أَوْلَى بِشَهَادَةِ الظَّاهِرِ أَوْ لِسَبْقٍ فِي الدَّعْوَى ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ فِي زَمَانٍ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ،