الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى لِأَنَّهُ اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَارْتَضَاهُ .
وَلَمَّا حَفِظَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَاشْتَهَرَ ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ بَيْنَهُمْ وَانْتَشَرَ ، طَلَبَ مِنِّي بَعْضُ أَوْلَادِ بَنِي أَخِي النُّجَبَاءِ أَنْ أَرْمِزَهُ رُمُوزًا يُعْرَفُ بِهَا مَذَاهِبُ بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ ، لِتَكْثُرَ فَائِدَتُهُ ، وَتَعُمَّ عَائِدَتُهُ ، فَأَجَبْتُهُ إِلَى طَلَبِهِ ، وَبَادَرْتُ إِلَى تَحْصِيلِ بُغْيَتِهِ بَعْدَ أَنِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ وَاسْتَخَرْتُهُ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ ، وَجَعَلْتُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسَمَاءِ الْفُقَهَاءِ حَرْفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَهِيَ :
لِأَبِي يُوسُفَ ( س ) وَلِمُحَمَّدٍ ( م ) وَلَهُمَا ( سم ) وَلِزُفَرَ ( ز ) وَلِلشَّافِعِيِّ ( ف ) وَاللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِإِتْمَامِهِ ، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ عِنْدَ اخْتِتَامِهِ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
شرح
وَبَعْدُ : فَكُنْتُ جَمَعْتُ فِي عُنْفُوَانِ شَبَابِي مُخْتَصَرًا فِي الْفِقْهِ لِبَعْضِ الْمُبْتَدِئِينَ مِنْ أَصْحَابِي . وَسَمَّيْتُهُ بِ " الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى " اخْتَرْتُ فِيهِ قَوْلَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، إِذْ كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ وَالْأَوْلَى ، فَلَمَّا تَدَاوَلَتْهُ أَيْدِي الْعُلَمَاءِ ، وَاشْتَغَلَ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ طَلَبُوا مِنِّي أَنْ أَشْرَحَهُ شَرْحًا أُشِيرُ فِيهِ إِلَى عِلَلِ مَسَائِلِهِ وَمَعَانِيهَا ، وَأُبَيِّنُ صُوَرَهَا وَأُنَبِّهُ عَلَى مَبَانِيهَا ، وَأَذْكُرُ فُرُوعًا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا وَيُعْتَمَدُ فِي النَّقْلِ عَلَيْهَا ، وَأَنْقُلُ فِيهِ مَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْخِلَافِ ، وَأُعَلِّلُهُ مُتَوَخِّيًا مُوجِزًا فِيهِ الْإِنْصَافَ ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْهِ ، وَشَرَعْتُ فِيهِ ، مُسْتَعِينًا بِهِ وَمُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ ، وَسَمَّيْتُهُ :
الِاخْتِيَارَ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ
وَزِدْتُ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَمِنَ الرِّوَايَاتِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْفَتْوَى ، يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا الْمُبْتَدِئُ ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْمُنْتَهِي .
وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَسْأَلُهُ أَنْ يُوَفِّقَنِي لِلْإِتْمَامِ وَالْإِصَابَةِ ، وَيَرْزُقَنِيَ الْمَغْفِرَةَ وَالْإِنَابَةَ ، إِنَّهُ قَدِيرٌ عَلَى ذَلِكَ وَجَدِيرٌ بِالْإِجَابَةِ ، وَهُوَ حَسْبِي ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ .