شرح
من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل وأنزلنا حرما آمنا ، وجعلنا الحكام على الناس ،
وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه ، ثم إن ابن أخي هذا يعني رسول الله صلى الله
عليه وآله ممن لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به ، ولا يقاس به رجل إلا عظم
عنه ، ولا عدل له في الخلق ، وإن كان مقلا في المال ، فإن المال رفد جار ( 1 ) وظل
زائل ، وله في خديجة رغبة ، ولها فيه رغبة ، وقد جئناك لنخطبها إليك برضاها
وأمرها ، والمهر على في مالي الذي سألتموه عاجله وآجله وله ، ورب هذا البيت حظ
عظيم ( 2 ) ودين شائع ورأي كامل ، ثم سكت أبو طالب وتكلم عمها ، وتلجلج وقصر
عن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبهر وكان رجلا من القسيسين ، فقالت خديجة
مبتدئة : يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود ، فلست أولى بي من
نفسي ( 3 ) قد زوجتك يا محمد نفسي والمهر علي في مالي ، فأمر عمك فلينحر ناقة
فليؤلم بها وادخل على أهلك ، قال أبو طالب : اشهدوا عليها بقبولها محمدا وضمانها
المهر في مالها ، فقال بعض قريش : يا عجباه المهر على النساء للرجال ، فغضب
أبو طالب غضبا شديدا ، وقام على قدميه ، وكان ممن يهابه الرجال ويكره غضبه ،
فقال : إذا كانوا مثل ابن أخي هذا طلبت الرجال بأغلا الأثمان وأعظم المهر ،
هامش
( 1 ) قوله ( رفد جار ) أي يجريه الله تعالى على عباده بقدر الضرورة والمصلحة ، وفي الفقيه وغيره ( رزق
حائل ) أي متغير ، وهو أظهر .
( 2 ) قوله ( حظ ) أي من الخير والكمال ، وفي الفقيه ( خطر ) وفي القاموس البهر بالضم انقطاع النفس
من الإعياء ، وقال : القس بالفتح رئيس النصارى في العلم كالقسيس .
( 3 ) قولها رضي الله عنها ( وإن كنت أولى ) أي إن كنت أولى بنفسي مني في الشهود ، أي محضر
الناس عرفا ، فلست أولى بي واقعا ، أو إن كنت أولى في الحضور والتظلم بمحضر الناس ، فلست أولى في
أصل الرضا والاختيار ، أو إن كنت قادرا على إهلاكي لكنني أولى بما اختار لنفسي ، والحاصل : أني
أمكنك في إهلاكي ولا أمكنك في ترك هذا الأمر ، والأوسط أظهر . ( مرآة العقول : ج 20 ص 98 و 99 ) .