ذَلِكَ ، بَلْ مَا كَانَ فِيهِ حَقًّا فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْبَاقِي : إِمَّا كَذِبٌ ، وَإِمَّا مَا لَا مَدْحَ فِيهِ .
( أَمَّا كَوْنُهُ طَلَّقَ الدُّنْيَا ثَلَاثًا ) ( 1 ) فَمِنَ الْمَشْهُورِ عَنْهُ ( 2 ) أَنَّهُ قَالَ : " يَا صَفْرَاءُ ، يَا بَيْضَاءُ ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا غُرِّي غَيْرِي ، لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ " ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَزْهَدُ مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ هَذَا ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَغَيْرَهُمَا كَانُوا أَزْهَدَ مِنْهُ وَلَمْ يَقُولُوا هَذَا ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا زَهِدَ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ ( 3 ) : قَدْ زَهِدْتُ ، ( 4 ) وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ : زَهِدْتُ ( 5 ) ، يَكُونُ قَدْ زَهِدَ ، فَلَا عَدَمُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الزُّهْدِ ، وَلَا وُجُودُهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُ كَانَ دَائِمًا يَقْتَاتُ جَرِيشَ الشَّعِيرِ بِلَا أُدْمٍ ( 6 ) .
فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّهُ كَذِبٌ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا مَدْحَ فِيهِ ، فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامُ الزُّهْدِ كَانَ ( 7 ) لَا يَرُدُّ مَوْجُودًا وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا ( 8 ) ، بَلْ إِنْ حَضَرَ لَحْمُ دَجَاجٍ أَكَلَهُ ، أَوْ لَحْمُ غَنَمٍ أَكَلَهُ ، أَوْ حَلْوَاءُ أَوْ عَسَلٌ أَوْ فَاكِهَةٌ أَكَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا لَمْ يَتَكَلَّفْهُ ، وَكَانَ إِذَا حَضَرَ طَعَامًا ( 9 ) ، فَإِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا لَا يَحْضُرُ ،
هامش
( 1 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي ( م ) فَقَطْ
( 2 ) عَنْهُ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( س ) ، ( ب )
( 3 ) ن ، س ، ب : لَمْ يَجِبْ بِلِسَانِهِ أَنْ يَقُولَ
( 4 ) : سَاقِطٌ مِنْ ( م )
( 5 ) : سَاقِطٌ مِنْ ( م )
( 6 ) م : إِدَامٍ
( 7 ) س ، ب : . . وَسَلَّمَ كَانَ إِمَامَ الزُّهَّادِ وَكَانَ
( 8 ) س : مَقْصُودًا
( 9 ) م : طَعَامٌ .