فَذَهَبَ إِلَى السُّوقِ يَبِيعُ وَيَتَكَسَّبُ ( 1 ) ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ وَعَلَى يَدِهِ أَبْرَادٌ ، فَقَالَ لَهُ : أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقَالَ : أَظَنَنْتَ أَنِّي تَارِكٌ ( 2 ) طَلَبَ الْمَعِيشَةِ لِعِيَالِي ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَالْمُهَاجِرِينَ ، فَفَرَضُوا لَهُ شَيْئًا فَاسْتَحْلَفَ عُمَرَ وَأَبَا عُبَيْدَةَ ، فَحَلَفَا لَهُ أَنَّهُ يُبَاحُ ( 3 ) لَهُ أَخْذُ دِرْهَمَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ ، ثُمَّ تَرَكَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، ثُمَّ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَرُدَّ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ مَا كَانَ قَدْ دَخَلَ فِي مَالِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَجَدَتْ جَرْدَ قَطِيفَةٍ لَا يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَحَبَشِيَّةً تُرْضِعُ ابْنَهُ ، أَوْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، وَبَعِيرًا نَاضِحًا ، فَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لَهُ : أَتَسْلُبُ هَذَا عِيَالَ أَبِي بَكْرٍ ؟ فَقَالَ : كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، لَا يَتَأَثَّمُ ( 4 ) مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ فِي حَيَاتِهِ ، وَأَتَحَمَّلُهُ أَنَا بَعْدَ مَوْتِهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : عَلِيٌّ كَانَ زَاهِدًا ، وَلَكِنَّ الصِّدِّيقَ أَزْهَدُ مِنْهُ ; لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ لَهُ الْمَالُ الْكَثِيرُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالتِّجَارَةُ الْوَاسِعَةُ ، فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَكَانَ حَالُهُ فِي الْخِلَافَةِ مَا ذُكِرَ ، ثُمَّ رَدَّ مَا تَرَكَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ .
قَالَ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ ( 5 ) : " وَأَمَّا عَلِيٌّ فَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَقِيرًا يُعَالُ وَلَا يَعُولُ ، ثُمَّ اسْتَفَادَ الْمَالَ : الرِّبَاعَ ، وَالْمَزَارِعَ ، وَالنَّخِيلَ ، وَالْأَوْقَافَ ، وَاسْتُشْهِدَ وَعِنْدَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سُرِّيَّةً ، وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ - وَلِلَّهِ
هامش
( 1 ) ن ، س ، ب : وَيَكْتَسِبُ
( 2 ) ن ، س ، ب : تَرَكْتُ
( 3 ) م : مُبَاحٌ
( 4 ) م : لَا يَتَأَلَّمُ
( 5 ) هُوَ حُمَيْدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، أَوْ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ، بْنِ قُتَيْبَةَ الْأَزْدِيُّ النَّسَائِيُّ ، أَبُو أَحْمَدَ ، مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ ، مُصَنِّفُ كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " وَكِتَابِ " التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ " ، حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 251 . انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي : تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ 2 / 550 551 ; الْأَعْلَامِ 2 / 319