وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا مَنْ تَأَمَّلَهَا تَبَيَّنَ لَهُ انْتِفَاءُ اسْتِحْقَاقِهِ إِذْ ذَاكَ بَيَانًا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ لِعَلِيٍّ ، وَطَلَبَهُ ( 1 ) عَلِيٌّ لَكَانَ أَبُو بَكْرٍ : إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُجَامِلَهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَيْهِ ، وَلَوْ قَامَ ( 2 ) أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ظَالِمٌ يُدَافِعُ عَلِيًّا وَهُوَ مُحِقٌّ ، لَكَانَتِ الشَّرِيعَةُ وَالْعَادَةُ وَالْعَقْلُ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ مَعَ عَلِيٍّ الْمُحِقِّ الْمَعْصُومِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمُعْتَدِي الظَّلُومِ ، لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا وَالنُّفُوسُ تَنْفِرُ عَنْ مُبَايَعَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ بَيْتِ الْوِلَايَةِ أَعْظَمُ مِنْ نَفْرَتِهَا عَنْ مُبَايَعَةِ أَهْلِ بَيْتِ الْمُطَاعِ ( 3 ) ، فَالدَّوَاعِي لِعَلِيٍّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَتْ أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ ، لَوْ كَانَ أَحَقَّ ، وَهِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَتْ أَبْعَدَ لَوْ كَانَ ظَالِمًا .
لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُقْتَضَى مَعَ أَبِي بَكْرٍ - وَهُوَ دِينُ اللَّهِ - قَوِيًّا ، وَالْإِسْلَامُ فِي جِدَّتِهِ ( 4 ) وَطَرَاوَتِهِ ( 5 ) وَإِقْبَالِهِ ، كَانَ أَتْقَى لِلَّهِ أَلَّا ( 6 ) يَصْرِفُوا الْحَقَّ عَمَّنْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْأَحَقُّ إِلَى غَيْرِهِ ، وَلَوْ ( كَانَ ) ( 7 ) لِبَعْضِهِمْ هَوًى مَعَ الْغَيْرِ .
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مَعَهُ هَوًى إِلَّا هَوَى الدِّينِ ، الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ .
فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا مَنْ تَدَبَّرَهَا عَلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الْقَوْمَ عَلِمُوا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْأَحَقُّ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ ، وَأَنَّ وِلَايَتَهُ أَرْضَى لِلَّهِ ( 8 ) وَرَسُولِهِ فَبَايَعُوهُ ،
هامش
( 1 ) س ، ب : وَطَالَبَهُ
( 2 ) ن ، م : أَقَامَ
( 3 ) م : أَهْلِ بَيْتٍ مُطَاعٍ ; س ، ب : أَهْلِ الْبَيْتِ الْمُطَاعِ
( 4 ) م ، س : حِدَّتِهِ
( 5 ) ب : وَطَرَاءَتِهِ
( 6 ) ن ، س : وَأَنْ ; ب ، م : أَنْ . وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ مَا أَثْبَتُّهُ
( 7 ) كَانَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( س ) ، ( ب )
( 8 ) م : تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ