وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْأَرْبَعِينَ فَمَا دُونَهَا ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ عَلِيٍّ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ . وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ ( 1 ) فِيمَا إِذَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَتَلِفَ : هَلْ يَضْمَنُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ : لَا يَضْمَنُ أَيْضًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُهُ إِمَّا بِنِصْفِ الدِّيَةِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ جَعَلَا لَهُ قَدْ تَلِفَ بِفِعْلٍ مُضَمَّنٍ وَغَيْرِ مُضَمَّنٍ ( 2 ) ، وَإِمَّا أَنْ تُقَسَّطَ الدِّيَةَ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ كُلِّهَا ، فَيَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ ( 3 ) بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ .
وَالشَّافِعِيُّ بَنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَعْزِيرٌ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ بِعُقُوبَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ ضُمِّنَ ، لِأَنَّهُ بِالتَّلَفِ يَتَبَيَّنُ عُدْوَانُ الْمُعَزَّرِ ، كَمَا إِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَالْمُؤَدِّبُ الصَّبِيَّ ، وَالرَّائِضُ الدَّابَّةَ .
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْأَصْلَيْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي أَحَدِهِمَا ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يَقُولَانِ : الثَمَانُونَ حَدٌّ وَاجِبٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي الْأُخْرَى يَقُولُ ( 4 ) : كُلُّ مَنْ تَلِفَ بِعُقُوبَةٍ جَائِزَةٍ ، فَالْحَقُّ قَتْلُهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُبَاحَةً ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُقَدَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ سِرَايَةَ الْقَوَدِ فِي الطَّرَفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ فِي عُقُوبَةٍ
هامش
( 1 ) ن : الْعُلَمَاءُ .
( 2 ) ح : مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ .
( 3 ) ر ، ي : فَتَجِبُ مِنْهُ الدِّيَةُ .
( 4 ) ح ، ر ، ي : وَفِي الْأُخْرَى أَحْمَدُ يَقُولُ .