وَعَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُمْ ، حَتَّى كَانَ يُشَاوِرُ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا كَانَ مِنْ كَمَالِ فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَدِينِهِ ، وَلِهَذَا ( 1 ) كَانَ مِنْ أَسَدِّ ( 2 ) النَّاسِ رَأْيًا ، وَكَانَ يَرْجِعُ تَارَةً إِلَى رَأْيِ هَذَا وَتَارَةً إِلَى رَأْيِ هَذَا .
وَقَدْ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا ، فَاتَّفَقُوا عَلَى رَجْمِهَا ، وَعُثْمَانُ سَاكِتٌ ، فَقَالَ : مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ فَقَالَ : أَرَاهَا تَسْتِهَلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزِّنَا مُحَرَّمٌ ، فَرَجَعَ ( 3 ) فَأَسْقَطَ الْحَدَّ عَنْهَا لَمَّا ذَكَرَ لَهُ عُثْمَانُ ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهَا تَجْهَرُ بِهِ وَتَبُوحُ بِهِ ، كَمَا يَجْهَرُ الْإِنْسَانُ وَيَبُوحُ بِالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَرَاهُ قَبِيحًا ، مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّزَوُّجِ وَالتَّسَرِّي .
وَالِاسْتِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ ، وَهُوَ رَفْعُهُ صَوْتَهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تَعْلَمُهُ قَبِيحًا كَانَتْ جَاهِلَةً بِتَحْرِيمِهِ ، وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ( 4 ) التَّحْرِيمُ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 15 ] وَقَالَ - تَعَالَى - : { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 165 ] . وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ حَتَّى يُدْعَوْا إِلَى الْإِسْلَامِ .
وَلِهَذَا مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَهَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بِمَكَانِ جَهْلٍ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَاقِبِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَكَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَيْطُ
هامش
( 1 ) ب : فَلِهَذَا .
( 2 ) ن ، م ، ي : مِنْ أَشَدِّ .
( 3 ) فَرَجَعَ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ح ) ، ( ر ) ، ( ي ) .
( 4 ) ح ، ر ، ي ، ب : وَالْحَدُّ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ .