فَإِنْ لَمْ تَقُمْ ( 1 ) بَطَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، وَإِنْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِبَيَانِ الرَّسُولِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَيَّنٍ آخَرَ ( 2 ) يَفْتَقِرُ النَّاسُ إِلَى بَيَانِهِ ، فَضْلًا عَنْ [ حِفْظِ ] ( 3 ) تَبْلِيغِهِ ، وَأَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الْقُوَّةِ النَّاقِلَةِ لِكَلَامِ الرَّسُولِ وَبَيَانِهِ كَافِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ حِفْظَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الذِّكْرِ ، فَصَارَ ذَلِكَ مَأْمُونًا أَنْ يُبَدَّلَ أَوْ يُغَيَّرَ .
وَبِالْجُمْلَةِ دَعْوَى هَؤُلَاءِ الْمَخْذُولِينَ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ لَا يُحْفَظُ وَلَا يُفْهَمُ إِلَّا بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ ، مِنْ أَعْظَمِ الْإِفْسَادِ لِأُصُولِ الدِّينِ ( 4 ) . وَهَذَا لَا يَقُولُهُ - وَهُوَ يَعْلَمُ لَوَازِمَهُ - إِلَّا زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ ، قَاصِدٌ ( 5 ) لِإِبْطَالِ الدِّينِ ، وَلَا يَرُوجُ هَذَا إِلَّا عَلَى مُفْرِطٍ فِي الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ .
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ : أَنْ يُقَالَ : قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِدُونِ نَقْلِ عَلِيٍّ ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا فَتَحَ الْأَمْصَارَ بَعَثَ إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ مَنْ عَلَّمَهُمْ وَفَقَّهَهُمْ ، وَاتَّصَلَ الْعِلْمُ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ مَا بَلَّغَهُ عَلِيٌّ لِلْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ مِمَّا بَلَّغَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَمْثَالُهُمَا .
وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ . وَلَوْ لَمْ يُحْفَظِ الدِّينُ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ عَلِيٍّ لَبَطَلَ عَامَّةُ الدِّينِ ; فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا أَمْرٌ قَلِيلٌ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ
هامش
( 1 ) م : فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ .
( 2 ) م : إِلَى آخَرَ مُعَيَّنٍ .
( 3 ) حِفْظِ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( ب ) .
( 4 ) م : الْفَسَادُ لِأُصُولِ الْإِسْلَامِ .
( 5 ) قَاصِدٌ : سَاقِطَةٌ مِنْ ( م ) .