النَّاسِ مِنْهُ . أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا كَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ عَرَفَتِ ( 1 ) الْأُمَّةُ لَهُ ذَلِكَ ، وَاسْتَفَادَتْ مِنْهُ ، وَشَاعَ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ فِي الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ .
وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ ( 2 ) ، عَرَفَ الْمُسْلِمُونَ لَهُ ذَلِكَ ، وَاسْتَفَادُوا ذَلِكَ مِنْهُ ، وَظَهَرَ ذِكْرُهُ بِالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ .
وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِنْسَانُ مَقْصُودَهُ فِي مَحَلٍّ لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ عَنْ أَحَدٍ : إِنَّهُ طَبِيبٌ أَوْ نَحْوِيٌّ ، وَعَظُمَ حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ أَوِ النُّحَاةُ ، فَوَجَدُوهُ لَا يَعْرِفُ مِنَ الطِّبِّ وَالنَّحْوِ مَا يَطْلُبُونَ ، أَعْرَضُوا عَنْهُ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى الْجُهَّالِ وَتَعْظِيمِهِمْ .
وَهَؤُلَاءِ الْإِمَامِيَّةُ أَخَذُوا عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ اللَّهَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْدَارُ وَالتَّمْكِينُ وَاللُّطْفُ ، بِمَا يَكُونُ الْمُكَلَّفُ ( 3 ) عِنْدَهُ أَقْرَبُ إِلَى الصَّلَاحِ ، وَأَبْعَدُ عَنِ الْفَسَادِ ، مَعَ تَمَكُّنِهِ فِي الْحَالَيْنِ .
ثُمَّ قَالُوا : وَالْإِمَامَةُ وَاجِبَةٌ ، وَهِيَ أَوْجَبُ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ ، لِأَنَّ بِهَا لُطْفًا فِي التَّكَالِيفِ . قَالُوا : إِنَّا نَعْلَمُ يَقِينًا بِالْعَادَاتِ ( 4 ) وَاسْتِمْرَارِ الْأَوْقَاتِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَتَى كَانَ لَهُمْ رَئِيسٌ مَهِيبٌ مُطَاعٌ مُتَصَرِّفٌ مُنْبَسِطُ الْيَدِ كَانُوا بِوُجُودِهِ أَقْرَبَ إِلَى الصَّلَاحِ ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْفَسَادِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَئِيسٌ ( 5 ) وَقَعَ الْهَرْجُ وَالْمَرْجُ بَيْنَهُمْ ، وَكَانُوا عَنِ الصَّلَاحِ أَبْعَدَ ، وَمِنَ الْفَسَادِ أَقْرَبَ .
وَهَذِهِ الْحَالُ مُشْعِرَةٌ بِقَضِيَّةِ الْعَقْلِ مَعْلُومَةٌ لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا مَنْ جَهِلَ
هامش
( 1 ) م : كَيْفَ عَرَفَتِ .
( 2 ) ن ، م : مَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ .
( 3 ) ب : الْمُمْكِنُ ، وَهُوَ خَطَأٌ .
( 4 ) ن : نَقْصًا بِالْعَادَاتِ ، م : نَقْصًا بِالْعِبَادَاتِ .
( 5 ) سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) فَقَطْ .