كَانَ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ . وَإِنَّمَا يَغْلَطُ مَنْ يَغْلَطُ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى السَّوَادِ الْقَلِيلِ فِي الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى الثَّوْبِ الْأَسْوَدِ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ . وَهَذَا مِنَ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ ، بَلْ يُوزَنُ هَؤُلَاءِ بِنُظَرَائِهِمْ ، فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ وَالرُّجْحَانُ .
وَأَمَّا مَا يَقْتَرِحُهُ ( 1 ) كُلُّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَمْ يُخْلَقْ ، فَهَذَا لَا اعْتِبَارَ بِهِ . فَهَذَا يَقْتَرِحُ مَعْصُومًا فِي الْأَئِمَّةِ ، وَهَذَا يَقْتَرِحُ مَا هُوَ كَالْمَعْصُومِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ مَعْصُومًا ، فَيَقْتَرِحُ فِي الْعَالِمِ وَالشَّيْخِ وَالْأَمِيرِ وَالْمَلِكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَمَحَاسِنِهِ ، وَكَثْرَةِ مَا فَعَلَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ ، يَقْتَرِحُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَا يُخْطِئُ فِي مَسْأَلَةٍ ( 2 ) ، وَأَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْبَشَرِيَّةِ فَلَا يَغْضَبُ ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُقْتَرَحُ فِيهِمْ ( 3 ) مَا لَا يُقْتَرَحُ فِي الْأَنْبِيَاءِ .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نُوحًا وَمُحَمَّدًا أَنْ يَقُولَا : { لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } [ سُورَةُ هُودٍ : 31 ] فَيُرِيدُ الْجُهَّالُ مِنَ الْمَتْبُوعِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَا يُسْئَلُ عَنْهُ ، قَادِرًا عَلَى كُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ ، غَنِيًّا عَنِ الْحَاجَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَالْمَلَائِكَةِ .
وَهَذَا الِاقْتِرَاحُ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْرِ كَاقْتِرَاحِ الْخَوَارِجِ فِي عُمُومِ الْأُمَّةِ ، أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ ذَنْبٌ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ كَانَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ .
هامش
( 1 ) ن : مَا يُقِرُّ بِهِ .
( 2 ) م : فَلَا يُخْطِئُ فِي مَسَائِلِهِ .
( 3 ) ن ، م : فِيهِ .