تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
لِغَيْرِهِ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ هَذَا النَّقْدِ وَهَذَا النَّقْدِ ، أَوْ بَيْنَ النَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ ، أَوْ بَيْنَ ابْتِيَاعِ هَذَا الصِّنْفِ وَهَذَا الصِّنْفِ ، أَوِ الْبَيْعِ فِي هَذَا السُّوقِ وَهَذَا السُّوقِ ، فَهُوَ تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا يَرَاهُ أَصْلَحَ لِمَنِ ائْتَمَنَهُ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ تُسَوِّغُ لَهُ تَرْكَهُ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَصَرُّفُ وَلِيِّ الْأَمْرِ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَالْأَسِيرِ الَّذِي يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَلِهَذَا « اسْتَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ فِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَخْذِ الْفِدَاءِ ، وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْقَتْلِ ، وَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنُوحٍ وَمُوسَى ، وَلَمْ يَعِبْ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ ، بَلْ مَدَحَهُ وَشَبَّهَهُ بِالْأَنْبِيَاءِ » ( 1 ) . وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ حَتْمًا لَمَا اسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ . وَكَذَلِكَ اجْتِهَادُ وَلِيِّ الْأَمْرِ فِيمَنْ يُوَلِّي ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَصْلَحَ مَنْ يَرَاهُ ، ثُمَّ إِنَّ الِاجْتِهَادَ يَخْتَلِفُ وَيَكُونُ جَمِيعُهُ صَوَابًا ، كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ رَأْيُهُ أَنْ يُوَلِّيَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي حُرُوبِهِ ، وَكَانَ عُمَرُ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْزِلَهُ ، فَلَا يَعْزِلُهُ ، وَيَقُولُ : إِنَّهُ سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ لَمَّا تَوَلَّى عَزَلَهُ وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَمَا فَعَلَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا كَانَ أَصْلَحَ فِي وَقْتِهِ ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ فِيهِ لِينٌ ، وَعُمَرَ كَانَ فِيهِ
هامش
( 1 ) انْظُرْ نَصَّ الْحَدِيثِ وَتَعْلِيقِي عَلَيْهِ بَعْدَ صَفَحَاتٍ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 131 - 135