تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج السنة النبوية — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ تَقَدُّمًا ذَاتِيًّا - فَإِنَّ الْجُزْءَ قَبْلَ الْكُلِّ ، وَالْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ - ، وَأُرِيدَ بِذَلِكَ التَّرْكِيبُ فِي الْخَارِجِ ، فَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ . فَإِنَّ الصِّفَةَ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ ، فَكَيْفَ تَكُونُ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ؟ وَإِذَا قِيلَ : هُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ ، أَوْ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ ، فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوْهَرَيْنِ قَائِمَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ مَوْصُوفٍ جَوَاهِرُ كَثِيرَةٌ بِعَدَدِ صِفَاتِهِ ، فَيَكُونُ فِي الْإِنْسَانِ جَوْهَرٌ هُوَ جِسْمٌ ، وَجَوْهَرٌ هُوَ حَسَّاسٌ ، وَجَوْهَرٌ هُوَ نَامٍ ، وَجَوْهَرٌ هُوَ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ ، وَجَوْهَرٌ هُوَ نَاطِقٌ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ ، بَلِ الْإِنْسَانُ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ، فَيُقَالُ : جِسْمٌ حَسَّاسٌ ( 1 ) نَامٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ نَاطِقٌ . وَإِنْ أُرِيدَ [ بِهِ ] ( 2 ) أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ عَرَضَيْنِ ، فَالْإِنْسَانُ جَوْهَرٌ ، وَالْجَوْهَرُ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَعْرَاضٍ لَاحِقَةٍ لَهُ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ سَابِقَةً لَهُ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ . وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي جَعْلِ الْأُمُورِ الذِّهْنِيَّةِ الْمَعْقُولَةِ فِي النَّفْسِ ، فَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ أُمُورًا مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ ، فَأَصْحَابُ فِيثَاغُورْسَ الْقَائِلُونَ بِالْأَعْدَادِ الْمُجَرَّدَةِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هُنَا كَانَ غَلَطُهُمْ ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) ن : جِسْمٌ جَوْهَرٌ حَسَّاسٌ ، وَهُوَ خَطَأٌ . ( 2 ) بِهِ سَاقِطَةٌ مِنْ ( ن ) ، ( م ) ، ( و ) . ( 3 ) فِيثَاغُورْسُ Pythagoras فَيْلَسُوفٌ وَرِيَاضِيٌّ شَهِيرٌ ، عُرِفَ حَوَالَيْ مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ السَّادِسِ قَبْلَ الْمِيلَادِ . قَالَ : إِنَّ الْعَالَمَ أَشْبَهُ بِعَالَمِ الْأَعْدَادِ مِنْهُ بِعَالَمِ الْمَاءِ أَوِ النَّارِ أَوِ التُّرَابِ ، وَقَالَ : إِنَّ الْمَوْجُودَاتِ أَعْدَادٌ وَأَنَّ الْعَالَمَ عَدَدٌ وَنَغَمٌ ، وَقَالَ بِالتَّنَاسُخِ ، انْظُرْ عَنْهُ : الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ 2 / 78 - 79 ، تَارِيخَ الْحُكَمَاءِ لِلْقِفْطِيِّ ص 258 ، 259 ، طَبَقَاتِ الْأَطِبَّاءِ لِابْنِ أَبِي أُصَيْبِعَةَ ، 1 / 60 - 68 ، تَارِيخَ ابْنِ الْعِبْرِيِّ ص 50 ، تَارِيخَ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ لِكَرَمٍ ص 20 - 26 ، فَجْرَ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ ، ص 70 - 92 ، نَشْأَةَ الْفِكْرِ الْفَلْسَفِيِّ 38 - 60 ، رَبِيعَ الْفِكْرِ الْيُونَانِيِّ ص 106 - 116 ، الْفَلْسَفَةَ عِنْدَ الْيُونَانِ ص 69 - 82 Greek Philosophy ، pp ، 36 - 40 .