مَاءِ الْأُذُنِ ، وَمُلُوحَةِ مَاءِ الْبَحْرِ . وَذَلِكَ يَدُلُّهُمْ عَلَى الْحِكْمَةِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا حِكْمَتَهُ ، فَإِنَّ مَنْ رَأَى إِنْسَانًا بَارِعًا فِي النَّحْوِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْحِسَابِ أَوِ الْفِقْهِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِذَلِكَ ، إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ كَلَامِهِ فَلَمْ يَفْهَمْهُ ، سَلَّمَ ذَلِكَ إِلَيْهِ .
فَرَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِي بَهَرَتِ الْعُقُولَ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ ، الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، وَأَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا ، كَيْفَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا جَهِلَهُ ( 1 ) مِنْ حِكْمَتِهِ إِلَى مَا عَلِمَهُ مِنْهَا ؟ ! .
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْكِتَابِ ، الَّذِينَ يَرُدُّ كُلٌّ مِنْهُمْ قَوْلَ الْآخَرِ ، وَفِي كَلَامِ كُلٍّ مِنْهُمْ حَقٌّ وَبَاطِلٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثَالَيْنِ : مِثَالًا فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَمِثَالًا فِي الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ .
[ الكلام عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ]
وَنَذْكُرُ مِثَالًا ثَالِثًا فِي الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ وَالسَّلَفَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، بَلْ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ مَخْلُوقٌ ، وَلَا إِنَّهُ قَدِيمٌ .
وَصَارَ الْمُخْتَلِفُونَ بَعْدَهُمْ عَلَى قَوْلَيْنِ : قَوْمٌ ( 2 ) يَقُولُونَ : هُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ [ اللَّهُ ] فِي غَيْرِهِ ( 3 ) ، وَاللَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ ، وَيَقُولُونَ : الْكَلَامُ صِفَةُ فِعْلٍ لَا صِفَةُ ذَاتٍ ، وَمُرَادُهُمْ بِالْفِعْلِ مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنِ الْفَاعِلِ غَيْرَ قَائِمٍ بِهِ ، وَهَذَا لَا يُعْقَلُ أَصْلًا ، وَلَا يُعْرَفُ مُتَكَلِّمٌ لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامُهُ .
هامش
( 1 ) ن ، م : مَا جَهِلَ .
( 2 ) ب : فَقَوْمٌ .
( 3 ) ن ، م ، و : خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ .