وَالرَّبُّ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَكِنْ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ ضِدٌّ يُنَافِيهِ ، وَلَهُ لَازِمٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ; فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الضِّدَّيْنِ مَعًا ، أَوْ وُجُودُ الْمَلْزُومِ بِدُونِ اللَّازِمِ ، كُلٌّ مِنَ الضِّدَّيْنِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَهُ ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْآخَرِ ، فَأَمَّا وُجُودُ الضِّدَّيْنِ مَعًا فَمُمْتَنِعٌ ( 1 ) لِذَاتِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا وُجُودُ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ .
وَالْعِبَادُ قَدْ لَا يَعْلَمُونَ التَّنَافِيَ أَوِ التَّلَازُمَ ، فَلَا يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِالِامْتِنَاعِ ; فَيَظُنُّونَهُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ ، مَعَ حُصُولِ الْمَحْبُوبِ الْمَطْلُوبِ ( 2 ) لِلرَّبِّ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ [ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ ، وَإِنَّمَا عِنْدُهُمْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ ، لَا الْعِلْمُ بِالْإِمْكَانِ ] ( 3 ) وَالْعَدَمُ لَا فَاعِلَ لَهُ ، فَأَتَوْا مِنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ ، وَهُوَ الْجَهْلُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْكُفْرِ ( 4 ) .
وَهُوَ سُبْحَانُهُ إِذَا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خَلْقَ شَيْءٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِ لَوَازِمِهِ وَنَفْيِ أَضْدَادِهِ ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : لِمَ لَمْ يَجْعَلْ ( 5 ) مَعَهُ الضِّدَّ الْمُنَافِيَ ؟ أَوْ لِمَ وُجِدَ اللَّازِمُ ؟ كَانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْحَقَائِقِ .
وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : هَلَّا خَلَقَ زَيْدًا قَبْلَ أَبِيهِ ؟ .
فَيُقَالُ لَهُ : يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ وَيُخْلَقَ قَبْلَهُ ، أَوْ يُخْلَقَ حَتَّى يُخْلَقَ أَبُوهُ ، وَالنَّاسُ تَظْهَرُ لَهُمُ الْحِكْمَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَدَبَّرُونَهَا ، كَمَا تَظْهَرُ لَهُمُ الْحِكْمَةُ فِي مُلُوحَةِ مَاءِ الْعَيْنِ ، وَعُذُوبَةِ مَاءِ الْفَمِ ، وَمَرَارَةِ
هامش
( 1 ) م ، ب : فَيَمْتَنِعُ .
( 2 ) ن ، م : الْمُطْلَقِ .
( 3 ) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ ( ن ) ، وَفِي ( ب ) ، ( ح ) : وَإِنَّمَا عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِامْتِنَاعِ الْعِلْمِ بِالْإِمْكَانِ ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ .
( 4 ) ر : أَصْلُ لِلْكُفْرِ
( 5 ) ح ، ر ، ي : تَجْعَلْ .